المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
بَابُ ذَوِي الْأَرْحَامِ
هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَبَيَانِ مِيرَاثِهِمْ ، وَالْأَرْحَامُ جَمْعُ رَحِمٍ بِوَزْنِ كَتِفٍ ، وَفِيهِ اللُّغَاتُ الْأَرْبَعُ فِي الْفَخْذِ ، وَهُوَ بَيْتُ مَنْبِتِ الْوَلَدِ ، وَوِعَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّحِمُ رَحِمُ الْأُنْثَى ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، وَالرَّحِمُ : الْقَرَابَةُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هِيَ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي ، وَهُوَ النَّسَبُ وَالِاتِّصَالُ الَّذِي يَجْمَعُ وَالِدَهُ ، فَسُمِّيَ الْمَعْنَى بِاسْمِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ ، ثُمَّ يُطْلَقُ الرَّحِمُ عَلَى كُلِّ قَرَابَةٍ ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَرَابَةٌ مَخْصُوصَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ :
( وَهُمْ كُلُّ قَرَابَةٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ ، وَلَا عَصَبَةٍ ) وَهُمْ أَحَدُ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورِينَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ ، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَعْدَادِهِمْ ، فَقَالَ ( وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ صِنْفًا : وَلَدُ الْبَنَاتِ ، وَوَلَدُ الْأَخَوَاتِ ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ ، وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ ، وَالْعَمُّ مِنَ الْأُمِّ ، وَالْعَمَّاتُ ، وَالْأَخْوَالُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَأَبُو الْأُمِّ ، وَكُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ ، أَوْ بِأَبٍ أَعْلَى مِنَ الْجَدِّ ، وَمَنْ أَدْلَى بِهِمْ ) فَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُمْ وَارِثُونَ ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ ، وَلَا ذُو فَرْضٍ مِنْ أَهْلِ الرَّدِّ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي 193 عُبَيْدَةَ ، وَمُعَاذٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَقَالَهُ شُرَيْحٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَلْقَمَةٌ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحَكَاهُ الْخَبْرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ ، وَكَانَ زَيْدٌ لَا يُوَرِّثُهُمْ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِمَا نَحْوَهُ ، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، لِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ إِلَى قُبَاءَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَلِأَنَّ الْعَمَّةَ ، وَبِنْتَ الْأَخِ لَا يَرِثَانِ مَعَ إِخْوَتِهِمَا ، فَلَا يَرِثَانِ مُنْفَرِدَتَيْنِ كَالْأَجْنَبِيَّاتِ ، وَلِأَنَّ انْضِمَامَ الْأَخِ إِلَيْهِمَا يُقَوِّيهِمَا ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ يُعَصِّبُهُنَّ أَخُوهُنَّ ، فَإِذَا لَمْ تَرِثْ هَاتَانِ مَعَ أَخِيهِمَا ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمَوَارِيثَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا ، وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ : أَحَقُّ بِالتَّوَارُثِ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : كَانَ التَّوَارُثُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْحِلْفِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : دَمِي دَمُكَ ، وَمَالِي مَالُكَ تَنْصُرُنِي وَأَنْصُرُكَ ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، فَيَتَعَاقَدَانِ الْحِلْفَ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، فَيَتَوَارَثَانِ بِهِ دُونَ الْقَرَابَةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتَوهُمْ نَصِيبَهُمْ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَصَارَ التَّوَارُثُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَمْ يُهَاجِرْ ، وَرِثَهُ الْمُهَاجِرُونَ دُونَهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ الْآيَةَ ، وَعَنِ الْمِقْدَادِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ .
194 رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَحَسَّنَهُ نَحْوَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَإِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ نَحْوَهُ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ، لَا يُقَالُ : الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا خَالٌ ، فَلَا وَارِثَ لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ ، وَالْمَاءُ طِيبُ مَنْ لَا طِيبَ لَهُ ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْخَالِ السُّلْطَانَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : يَرِثُ مَالَهُ وَيَرِثُهُ ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ سَمَّاهُ وَارِثًا ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ النَّفْيَ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِثْبَاتِ ، كَقَوْلِهِمْ : يَا عِمَادَ مَنْ لَا عِمَادَ لَهُ ، وَيَا سَنَدَ مَنْ لَا سَنَدَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ ذُو قَرَابَةِ فَيَرِثُ ، كَذَوِي الْفَرْضِ ، وَلِأَنَّهُ سَاوَى النَّاسَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْهُمْ ، وَلِهَذَا كَانَ أَحَقَّ فِي الْحَيَاةِ بِصَدَقَتِهِ وَصِلَتِهِ ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ بِوَصِيَّتِهِ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُمْ مُرْسَلٌ ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ مَعَ ذَوِي الْفَرْضِ وَالْعَصَبَاتِ ، وَقَوْلُهُ : لَا يَرِثَانِ مَعَ إِخْوَتِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا أَقْوَى ، وَقَوْلُهُمْ : إِنَّهُ إِنَّمَا يُثْبَتُ بِالنَّصِّ ، وَلَا نَصَّ هُنَا ، مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ ، وَالْإِرْثُ بِالرَّدِّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ ، قَالَ الْخَبْرِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُمَا وَرَّثَا الْخَالَ مَعَ الْبِنْتِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَصَبَةٌ ، أَوْ مَوْلًى ; لِئَلَّا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ .
هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَبَيَانِ مِيرَاثِهِمْ ، وَالْأَرْحَامُ جَمْعُ رَحِمٍ بِوَزْنِ كَتِفٍ ، وَفِيهِ اللُّغَاتُ الْأَرْبَعُ فِي الْفَخْذِ ، وَهُوَ بَيْتُ مَنْبِتِ الْوَلَدِ ، وَوِعَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّحِمُ رَحِمُ الْأُنْثَى ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، وَالرَّحِمُ : الْقَرَابَةُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هِيَ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي ، وَهُوَ النَّسَبُ وَالِاتِّصَالُ الَّذِي يَجْمَعُ وَالِدَهُ ، فَسُمِّيَ الْمَعْنَى بِاسْمِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ ، ثُمَّ يُطْلَقُ الرَّحِمُ عَلَى كُلِّ قَرَابَةٍ ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَرَابَةٌ مَخْصُوصَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ :
( وَهُمْ كُلُّ قَرَابَةٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ ، وَلَا عَصَبَةٍ ) وَهُمْ أَحَدُ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورِينَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ ، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَعْدَادِهِمْ ، فَقَالَ ( وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ صِنْفًا : وَلَدُ الْبَنَاتِ ، وَوَلَدُ الْأَخَوَاتِ ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ ، وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ ، وَالْعَمُّ مِنَ الْأُمِّ ، وَالْعَمَّاتُ ، وَالْأَخْوَالُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَأَبُو الْأُمِّ ، وَكُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ ، أَوْ بِأَبٍ أَعْلَى مِنَ الْجَدِّ ، وَمَنْ أَدْلَى بِهِمْ ) فَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُمْ وَارِثُونَ ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ ، وَلَا ذُو فَرْضٍ مِنْ أَهْلِ الرَّدِّ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي 193 عُبَيْدَةَ ، وَمُعَاذٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَقَالَهُ شُرَيْحٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَلْقَمَةٌ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحَكَاهُ الْخَبْرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ ، وَكَانَ زَيْدٌ لَا يُوَرِّثُهُمْ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِمَا نَحْوَهُ ، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، لِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ إِلَى قُبَاءَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَلِأَنَّ الْعَمَّةَ ، وَبِنْتَ الْأَخِ لَا يَرِثَانِ مَعَ إِخْوَتِهِمَا ، فَلَا يَرِثَانِ مُنْفَرِدَتَيْنِ كَالْأَجْنَبِيَّاتِ ، وَلِأَنَّ انْضِمَامَ الْأَخِ إِلَيْهِمَا يُقَوِّيهِمَا ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ يُعَصِّبُهُنَّ أَخُوهُنَّ ، فَإِذَا لَمْ تَرِثْ هَاتَانِ مَعَ أَخِيهِمَا ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمَوَارِيثَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا ، وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ : أَحَقُّ بِالتَّوَارُثِ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : كَانَ التَّوَارُثُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْحِلْفِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : دَمِي دَمُكَ ، وَمَالِي مَالُكَ تَنْصُرُنِي وَأَنْصُرُكَ ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، فَيَتَعَاقَدَانِ الْحِلْفَ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، فَيَتَوَارَثَانِ بِهِ دُونَ الْقَرَابَةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتَوهُمْ نَصِيبَهُمْ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَصَارَ التَّوَارُثُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَمْ يُهَاجِرْ ، وَرِثَهُ الْمُهَاجِرُونَ دُونَهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ الْآيَةَ ، وَعَنِ الْمِقْدَادِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ .
194 رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَحَسَّنَهُ نَحْوَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَإِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ نَحْوَهُ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ، لَا يُقَالُ : الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا خَالٌ ، فَلَا وَارِثَ لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ ، وَالْمَاءُ طِيبُ مَنْ لَا طِيبَ لَهُ ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْخَالِ السُّلْطَانَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : يَرِثُ مَالَهُ وَيَرِثُهُ ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ سَمَّاهُ وَارِثًا ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ النَّفْيَ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِثْبَاتِ ، كَقَوْلِهِمْ : يَا عِمَادَ مَنْ لَا عِمَادَ لَهُ ، وَيَا سَنَدَ مَنْ لَا سَنَدَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ ذُو قَرَابَةِ فَيَرِثُ ، كَذَوِي الْفَرْضِ ، وَلِأَنَّهُ سَاوَى النَّاسَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْهُمْ ، وَلِهَذَا كَانَ أَحَقَّ فِي الْحَيَاةِ بِصَدَقَتِهِ وَصِلَتِهِ ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ بِوَصِيَّتِهِ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُمْ مُرْسَلٌ ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ مَعَ ذَوِي الْفَرْضِ وَالْعَصَبَاتِ ، وَقَوْلُهُ : لَا يَرِثَانِ مَعَ إِخْوَتِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا أَقْوَى ، وَقَوْلُهُمْ : إِنَّهُ إِنَّمَا يُثْبَتُ بِالنَّصِّ ، وَلَا نَصَّ هُنَا ، مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ ، وَالْإِرْثُ بِالرَّدِّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ ، قَالَ الْخَبْرِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُمَا وَرَّثَا الْخَالَ مَعَ الْبِنْتِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَصَبَةٌ ، أَوْ مَوْلًى ; لِئَلَّا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث