المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
الصفحة 1886 · ص. المطبوع 232 · الشرح
بَابُ
مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ
وَهُوَ جَمْعُ مِلَّةٍ ، بِكَسْرِ الْمِيمِ ، إِفْرَادًا وَجَمْعًا ، وَهِيَ : الدِّينُ وَالشَّرِيعَةُ .
( ۝ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ) قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بَيْنَ النَّاسِ اخْتِلَافٌ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَمُعَاذٍ ، وَمُعَاوِيَةَ خِلَافُهُ ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَقُيِّدَ الْكَافِرُ بِالْأَصْلِيِّ ، وَهُوَ مُرَادٌ ( وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ) إِجْمَاعًا ، وَسَنَدُهُ : مَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَرْفُوعًا : ۝ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَةٌ ، فَلَمْ يَتَوَارَثَا ( إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِهِ فَيَرِثَهُ ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا لِمَا رَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ قَسْمُ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْحَثُّ عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا : إِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ الْبَعْضِ ، وَرِثَ مَا بَقِيَ ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا ، فَتَصَرُّفُهُ فِي التَّرِكَةِ وَحِيَازَتُهَا كَقِسْمَتِهَا ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّهُ إِذَا قُسِّمَتِ التَّرِكَةُ ، وَتَعَيَّنَ حَقُّ كُلِّ وَارِثٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَاسْتَثْنَى الْخِرَقِيُّ وَالْمَجْدُ وَالْجَدُّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ ، وَهُوَ : مَا إِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ 232 مُسْلِمًا ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِثُبُوتِهِ ( وَعَنْهُ : لَا يَرِثُ ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ ، وَصَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ الْخَبَرَ ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ عَنْهُ بِالْمَوْتِ ، فَلَمْ يُشَارِكْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَمَا لَوِ اقْتَسَمُوا ، أَوْ كَانَ رَقِيقًا ، فَأُعْتِقَ ، فَعَلَيْهَا يَرِثُ عَصَبَةَ سَيِّدِهِ الْمُوَافِقِ لِدِينِهِ ، وَوَرَّثَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمُسْلِمَ مِنْ ذَمِّيٍّ ; لِئَلَّا يَمْتَنِعَ قَرِيبُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَلِوُجُوبِ نَصْرِهِمْ ، وَلَا يَنْصُرُونَنَا .
( وَإِنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، وَقَبْلَ الْقَسْمِ ، لَمْ يَرِثْ وَجْهًا وَاحِدًا ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ ، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنَعَهُ مُطْلَقًا ، خَرَجَ مِنْهُ مَا سَبَقَ ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ ، وَعَنْهُ : يَرِثُ ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ، كَمَنْ أَسْلَمَ ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : وَالْمَذْهَبُ تَوْرِيثُ مَنْ أَسْلَمَ ، لَا مَنْ عَتَقَ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ ، وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّأْلِيفِ عَلَيْهِ ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِتَوْرِيثِهِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَثَرِ فِي تَوْرِيثِ مَنْ أَسْلَمَ ، لَكَانَ النَّظَرُ أَنْ لَا يَرِثَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ حِينَ الْمَوْتِ .
فَرْعٌ : لَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ ، فَدَبَّرَهُ ، يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، وَلَمْ يَرِثْهُ ; لِأَنَّهُ رَقِيقٌ حِينَ الْمَوْتِ ، وَإِنْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ حَيَاتِي عَتَقَ ، وَوَرِثَ فِي الْأَصَحِّ لِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ .
( وَيَرِثُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; 233 لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْإِرْثِ اخْتِلَافُ الدِّينِ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ ، لَكِنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ فِي ذَلِكَ ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ أُسَامَةَ ( وَهُمْ ثَلَاثُ مِلَلٍ ) هَذَا رِوَايَةُ ( الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ كِتَابٌ ، وَأَحْكَامٌ وَشَرَائِعُ غَيْرُ الْأُخْرَى ( وَدِينُ سَائِرِهِمْ ) أَيْ : بَاقِيهِمْ كَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، فَإِنَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُمْ بِأَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَجَمْعٍ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلِأَنَّ الْمُوَالَاةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهُمْ ، أَشْبَهَ اخْتِلَافَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ ، وَعَنْهُ : الْكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ يَنْفِي تَوَارُثَهُمْ ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحًا بِذِكْرِ انْقِسَامِ الْمِلْكِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَوَارُثَ بَيْنَهَا ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِلَلًا كَثِيرَةً ، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً ، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً ، وَعُبَّادُ الشَّمْسِ مِلَّةً ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " : وَهُوَ أَصَحُّ ; لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ ، لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ ، وَقَوْلُ مَنْ حَصَرَ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ وَصْفٌ عَدَمِيٌّ ، لَا يَقْتَضِي حُكْمًا ، وَعَنْهُ : مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، نَقَلَهَا حَرْبٌ ، فَعَلَيْهَا يَتَوَارَثُونَ ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِهِمْ ، فَالصَّابِئَةُ ، قِيلَ : كَالْيَهُودِ ، وَقِيلَ : كَالنَّصَارَى .
( وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ لَمْ يَتَوَارَثُوا ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ ( وَعَنْهُ : يَتَوَارَثُونَ ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " ، وَكَمَفْهُومِ حَدِيثِ أُسَامَةَ ، قَالَ فِي 234 الشَّرْحِ ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا : إِنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ( وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا ، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ) وَقَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّهْذِيبِ اتِّفَاقًا لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا ( وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَوَارَثَا ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ ، قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " : وَهُوَ الْأَقْوَى فِي الْمَذْهَبِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الدَّارُ ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّ الْمِلَّةَ الْوَاحِدَةَ يَتَوَارَثُونَ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ ; لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ فِي النُّصُوصِ تَقْتَضِي تَوْرِيثَهُمْ ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَخْصِيصِهِمْ نَصٌّ ، وَلَا إِجْمَاعٌ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِمْ قِيَاسٌ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهَا ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْرِيثِ مَوْجُودٌ ، فَيُعْمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْمَانِعِ .
مَسْأَلَةٌ : يَتَوَارَثُ حَرْبِيٌّ وَمُسْتَأْمَنٌ ، وَذِمِّيٌّ وَمُسْتَأْمَنٌ ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ : يَرِثُ مُسْتَأْمَنًا وَرَثَتُهُ بِدَارِ حَرْبٍ ; لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ ، وَفِي التَّرْغِيبِ : هُوَ فِي حُكْمِ ذِمِّيٍّ ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ : الْمُسْتَأْمَنُ يَمُوتُ هُنَا تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ ( وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِ ، وَلَوِ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ أَوِ اسْتِقْرَارُهَا ، فَلِأَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ مِلْكٌ أَوْلَى ( إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ ) فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ ، وَلَوِ ارْتَدَّ مُتَوَارَثَانِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ ، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا ارْتَدَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَرِثَهُ الْآخَرُ ، وَيَخْرُجُ فِي مِيرَاثِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ كَذَلِكَ ( وَإِنْ قُتِلَ ) أَوْ مَاتَ ( فِي رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فِي بَيْتِ مَالِ 235 الْمُسْلِمِينَ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالصَّحِيحُ ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ ، فَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُرْتَدٍّ ، أَشْبَهَ الَّذِي كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُمْ ، فَلَا يَرِثُونَهُ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ( وَعَنْهُ : أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمْعٍ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ; لِأَنَّ رِدَّتَهُ كَمَرَضِ مَوْتِهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ عَلَى الْأُولَى : يَأْخُذُونَهُ فَيْئًا ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ : إِرْثًا .
( وَعَنْهُ : أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي اخْتَارَهُ ) رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ يَرِثُهُ أَهْلُ دِينِهِ كَالْحَرْبِيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَرِثُهُ ، فَهُوَ فَيْءٌ ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ تِلَادِ مَالِهِ وَطَارِئِهِ ، فَإِنِ ارْتَدَّ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ، وُقِفَ مَالُهُ إِلَى أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْأَصَحِّ ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ .
تَنْبِيهٌ : لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِحُكْمِ الزِّنْدِيقِ ، وَهُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ ، الَّذِي كَانَ يُسَمَّى مُنَافِقًا فِي عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حُكْمُهُ كَالْمُرْتَدِّ ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ " : وَآكَدُ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يَتُبْ أَوْ تَابَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ : بِكَفِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ بِإِظْهَارِ الشَّهَادَةِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِبَاطِنِهِمْ ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمُنَافِقَ يَرِثُ وَيُورَثُ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ تَرِكَةِ مُنَافِقٍ شَيْئًا ، وَلَا جَعَلَهُ فَيْئًا ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمِيرَاثَ مَدَارُهُ عَلَى النُّصْرَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي الظَّاهِرِ إِجْمَاعًا ، وَلَا لِحُكْمِ الدَّاعِيَةِ ، وَهُوَ إِذَا دَعَى إِلَى بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ ، فَمَالُهُ فَيْءٌ ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَهْمِيِّ ، وَعَلَى الْأَصَحِّ أَوْ غَيْرِ دَاعِيَةٍ وَهُمَا فِي غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ 236 عَلَيْهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الْجَهْمِيِّ ، إِذَا مَاتَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا نَصَارَى مَنْ يَشْهَدُهُ ؛ قَالَ : أَنَا لَا أَشْهَدُهُ ، يَشْهَدُهُ مَنْ شَاءَ ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث