المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
الصفحة 195 · ص. المطبوع 278 · الشرح
( وَإِنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ ) وَهِيَ الَّتِي تَعْرِفُ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا مِنْهُ ، وَطُهْرِهَا ، وَشَهْرُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَرَى فِيهِ حَيْضًا ، وَطُهْرًا ، وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَغَالِبُهُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ ( رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا ) إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَهِيَ مَا إِذَا كَانَتْ ذَاكِرَةً لِعَادَتِهَا ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ ، أَوْ يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ يَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّهِ ، أَوْ يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ قَدْرَ عَادَتِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَهَا ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ، ثُمَّ اغْتَسِلِي ، وَصَلِّي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَادَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : مُتَّفِقَةٌ ، وَمُخْتَلِفَةٌ ، فَالْمُتَّفِقَةُ : أَنْ تَكُونَ أَيَّامًا 278 مُتَسَاوِيَةً ، كَسَبْعَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، فَإِذَا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْهَا فَقَطْ ، وَالْمُخْتَلِفَةُ قِسْمَانِ : إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى تَرْتِيبٍ ، مِثْلَ أَنْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً ، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً ، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، فَهَذِهِ إِذَا اسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ ، فَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ جَلَسَتِ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثُ جَلَسَتْ أَرْبَعَةً ، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، ثُمَّ تَجْلِسُ فِي الشَّهْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً ، وَفِي الرَّابِعِ ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ أَبَدًا ، وَيَكْفِيهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ ، عِنْدَ قَضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَسَتْهَا كَالنَّاسِيَةِ ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ عَادَتِهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً ، وَفِي الثَّانِي خَمْسَةً ، وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً ، فَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ فَهُوَ كَالْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ جَلَسَتِ الْأَقَلَّ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَاغْتَسَلَتْ عَقِيبَهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهَا تَجْلِسُ أَكْثَرَ عَادَتِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ كَالنَّاسِيَةِ لِلْعَدَدِ ، وَبَعَّدَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذْ فِيهِ أَمْرُهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَإِسْقَاطِهَا عَنْهَا مَعَ يَقِينِ الْوُجُوبِ ، بِخِلَافِ النَّاسِيَةِ لَا نَعْلَمُ عَلَيْهَا صَلَاةً وَاجِبَةً يَقِينًا ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيْضِ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الثَّانِي ، وَهُوَ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعَادَةُ ، وَالتَّمْيِيزُ بِقَوْلِهِ : ( وَإِنْ كَانَتْ ) أَيْ : تُقَدِّمُ الْعَادَةَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ : ۝ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدَّمِ فَقَالَ لَهَا : امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي ، وَصَلِّي 279 رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا بِخِلَافِ اللَّوْنِ ، فَإِنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ .
( وَعَنْهُ : يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ ) عَلَى الْعَادَةِ بِشَرْطِهِ ( وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفَاطِمَةَ : ۝ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ صِفَةَ الدَّمِ أَمَارَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ ، وَالْعَادَةَ بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَرَجَعَ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ ، وَغَيْرِهِ ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَادَةِ أَوْ أَقَلَّ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَلَوِ اتَّفَقَتِ الْعَادَةُ ، وَالتَّمْيِيزُ عُمِلَ بِهِمَا .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ مَسَائِلُ :
مِنْهَا : إِذَا كَانَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، فَاسْتُحِيضَتْ ، وَصَارَتْ تَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ ، قَالَ : تَجْلِسُ الْخَمْسَةَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ قَالَ : تَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ الَّتِي فِيهَا الْأَسْوَدُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي .
وَمِنْهَا : إِذَا كَانَ حَيْضُهَا سَبْعًا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَاسْتُحِيضَتْ ، وَصَارَتْ تَرَى سَبْعَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ ، وَيَتَّصِلُ ، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ عَلَيْهِمَا ، لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ ، وَالتَّمْيِيزَ ، وَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْأَسْوَدِ أَحْمَرَ ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ ، وَعَبَرَ ، سَقَطَ حُكْمُ الْأَسْوَدِ لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، وَحَيْضُهَا الْأَحْمَرُ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ ، وَإِنْ رَأَتْ 280 مَكَانَ الْعَادَةِ أَحْمَرَ ، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ ، وَاتَّصَلَ ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ أَجْلَسَهَا أَيَّامَهَا ، وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ جَعَلَ الْأَسْوَدَ وَحْدَهُ حَيْضًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث