المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السابع
الصفحة 1987 · ص. المطبوع 47 · الشرح
( الرَّابِعُ : الشَّهَادَةُ ) وَهِيَ مِنَ الشُّرُوطِ لِصِحَّتِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ ، وَقَالَهُ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ; لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا ، قَالَ : ۝ لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ 47 ۝ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْهَا مَرْفُوعًا ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ الْبَغَايَا اللَّائِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا عَبْدُ الْأَعْلَى وَوَقَفَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، قَالَ : وَالْوَقْفُ أَصَحُّ ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ : الْوَلِيُّ ، وَالزَّوْجُ ، وَالشَّاهِدَانِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ : الِاحْتِيَاطُ لِلْأَبْضَاعِ وَصِيَانَةُ الْأَنْكِحَةِ عَنِ الْجُحُودِ ، ( فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ ) دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَهُوَ الْوَلَدُ - لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ ، فَيَضِيعُ نَسَبُهُ ، ( عَدْلَيْنِ ) ; لِلْأَخْبَارِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فِي الْأَمْوَالِ ; لِتَعَذُّرِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ فِي الْبَاطِنِ غَالِبًا ; لِوُقُوعِ النِّكَاحِ فِي الْبَوَادِي وَبَيْنَ عَوَامِّ النَّاسِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ كَغَيْرِهِ ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا تُعْرَفُ الرِّوَايَةُ عَنِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ ، ( ذَكَرَيْنِ ) ; لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ : مَضَتِ السُّنَّةُ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " ; وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِنَّ كَالْحُدُودِ . ( بِالِغَيْنِ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا شَهَادَةَ لَهُ . ( عَاقِلَيْنِ ) ; لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، ( وَإِنْ كَانَا ضَرِيرَيْنِ ) ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ ، فَصَحَّتْ مِنَ الْأَعْمَى كَشَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَتَيَقَّنَ الصَّوْتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشُكُّ فِيهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُرِيَّةُ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ : حُضُورُهُمَا سَوَاءٌ حَضَرَا قَصْدًا أَوِ اتِّفَاقًا ، فَلَوْ حَضَرَا وَسَمِعَا الْإِجَابَةَ وَالْقَبُولَ ، صَحَّ ، وَإِنْ 48 لَمْ يَسْمَعَا الصَّدَاقَ . ( وَعَنْهُ : يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَيْنِ ) ; لِأَنَّهُ تَحَمُّلٌ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَسَائِرِ التَّحَمُّلَاتِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ مَنْ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِقَوْلِهِ لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِ كَالصَّبِيِّ ، فَلَوْ بَانَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُمَا فَاسِقَانِ ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ - ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ - ; لِاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا فَقَطْ ، وَقِيلَ : لَا ; لِعَدَمِ شَرْطِهِ ( وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ) ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ ( وَمُرَاهِقَيْنِ عَاقِلَيْنِ ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ; وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَحَمُّلُهُ ، فَصَحَّتْ شَهَادَتُهُ كَالْبَيْعِ .
( وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [ الْبَقَرَةِ : 282 ] ; وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ ، كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوِ الزَّوْجُ وَحْدَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ( وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً ) بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، ( وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أَصَمَّيْنِ ) ; لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْعَقْدَ لِيَشْهَدَ بِهِ ( وَلَا أَخْرَسَيْنِ ) ; لِأَنَّ النُّطْقَ شَرْطٌ ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ( وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّيْنِ أَوِ ابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ؛ ) أَوِ الْوَلِيِّ ، أَوْ مُتَّهِمٍ لِرَحِمٍ مِنْ أَحَدِهِمْ ( عَلَى وَجْهَيْنِ ) أَحَدُهُمَا : يَنْعَقِدُ ; لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا نِكَاحُ غَيْرِ هَذَا الزَّوْجِ ، فَانْعَقَدَ بِهِمَا نِكَاحُهُ كَسَائِرِ الْعُدُولِ .
وَالثَّانِي : لَا ؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَكَذَا الِابْنُ ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي أَهْلِ الصَّنَائِعِ الرَّذِيلَةِ ، كَالْحَجَّامِ وَنَحْوِهِ ( وَعَنْهُ : أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ ) بَلْ تُسَنُّ فِيهِ كَعَقْدِ غَيْرِهِ ، فَيَصِحُّ بِدُونِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ 49 وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا شُهُودٍ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ فِي الشَّاهِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ خَبَرٌ ، وَكَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَقَضِيَّةُ الْمَوْهُوبَةِ نَفْسِهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، وَالْأَحَادِيثُ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَالْجُمْهُورُ قَدْ أَطْلَقُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَقَيَّدَهَا الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكْتُمُوهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُبْطِلُهُ التَّوَاصِي بِكِتْمَانِهِ ، وَعَنْهُ : بَلَى ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ : إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ ، قَالَ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ : هَلْ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ هَذَا الزَّوْجِ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ : إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ ، قَالَ : فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ شُهُودٍ فَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ : إِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا ، أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ - مَعَ قَوْلِهِ : إِنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ ، قَالَ السَّامَرِّيُّ : كُلُّ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ أَمْ لَا ؛ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث