المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السابع
( وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ ، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ ، حَضَرَ وَأَنْكَرَ ) ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَيْنِ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَإِزَالَةَ الْمُنْكَرِ ( وَإِلَّا ) إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ ( لَمْ يَحْضُرْ ) لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْحُضُورِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ ذَلِكَ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدُ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا خَمْرٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ; وَلِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمُنْكَرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ شَاهَدَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِزَالَتِهِ ( وَإِنْ حَضَرَ فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ ، أَزَالَهُ وَجَلَسَ ) ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ مَصْلَحَتَيِ الْإِنْكَارِ وَمَقْصُودِ الْإِجَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ ( فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْصَرَفَ ) ; لِأَنَّ الْجُلُوسَ مَعَ مُشَاهَدَةِ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ ، وَقَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَلِيمَةٍ فِيهَا آنِيَةٌ فِضَّةٌ ، فَقَالَ الدَّاعِي : نُحَوِّلُهَا فَلَمْ يَرْجِعْ ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ ( وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ فَلَهُ الْجُلُوسُ ) ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ وَسَمَاعِهِ ، وَلَوْ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْهَا ، وَلَهُ الْأَكْلُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْحُضُورِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ، كَإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِاتِّخَاذِ الْمُنْكَرِ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ ، وَفِي الْمَذْهَبِ ، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " : لَا يَنْصَرِفُ ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ ، وَإِنْ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَى رِوَايَةٍ أَوْ قَوْلٍ ( وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ الْحَيَوَانِ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا أَنْ تُزَالَ ) أَيْ : إِذَا كَانَتْ صُورَةُ الْحَيَوَانِ عَلَى السُّتُورِ وَالْحِيطَانِ وَمَا لَا يُوطَأُ ، وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا أَوْ قَطْعُ رَأْسِهَا ، فَعَلَ ذَلِكَ وَجَلَسَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ ، انْصَرَفَ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ; لِأَنَّ عَائِشَةَ نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَعَهُ ، قَالَتْ : فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ 185 مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ لِاتِّخَاذِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَفِيهِ وَجْهٌ .
فَائِدَةٌ : إِذَا قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ ، أَوْ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْبَدَنِ ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَهُ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ ، فَهُوَ صُورَةٌ وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا; لِلْأَخْبَارِ ، وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهَا مُحَرَّمٌ كَعَمَلِهَا .
( فَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهَا ) ; لِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً لَهَا; وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ تَعْلِيقِهَا إِنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالْإِغْرَارِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْبُسُطِ; لِقَوْلِ عَائِشَةَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئًا عَلَى نُمْرُقَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ; وَلِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً كَالْبُسُطِ ( وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ ) غَيْرِ حَرِيرٍ ( لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، فَهَلْ يُبَاحُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا يُكْرَهُ ، وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ : قَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِّرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ عُمَرَ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : دُعِيَ حُذَيْفَةُ ، فَخَرَجَ ، وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ وَكَرَاهَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ فِي ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ ، وَالْأُخْرَى : يَحْرُمُ ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُسْتُرَ الْجُدُرُ وَكَمَا لَوْ كَانَتِ السُّتُرُ حَرِيرًا ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " الْأَوَّلَ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ; لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ لِحَاجَةٍ ، أَشْبَهَ السُّتُرَ عَلَى الْبَابِ ، وَفِي جَوَازِ 186 خُرُوجِهِ لِأَجْلِهِ وَجْهَانِ ، فَلَوْ كَانَ فِيهَا آنِيَةٌ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ ، فَهُوَ مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَكَذَا مَا كَانَ مِنِ الْفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كَالْمُكْحُلَةِ .
( وَلَا يُبَاحُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ ) صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ ، كَدُعَائِهِ إِلَيْهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ; لِأَنَّ أَكْلَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُحَرَّمٌ ، كَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ ( وَالدُّعَاءُ إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِذَا دُعِيتَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ عَنْهُ ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " : لَيْسَ الدُّعَاءُ إِذْنًا لِلدُّخُولِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ ، وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ ، فِيمَنْ كَتَبَ مِنْ مَحْبَرَةِ غَيْرِهِ يَجُوزُ فِي حَقِّ مَنْ تَنْبَسِطُ إِلَيْهِ ، وَيَأْذَنُ لَهُ عُرْفًا .
( وَالنُّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ ) عَلَى الْمَذْهَبِ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ; وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ ، وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفْسِ الْمُنْتَهِبِ ، لَا يُقَالُ : ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ; لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ لِمَالٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا كَسَائِرِ الْإِبَاحَاتِ ( وَعَنْهُ : لَا يُكْرَهُ ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ قَالَ : قُرِّبَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ ، فَقَالَ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ : هَذَا جَارٍ مَجْرَى النُّثَارِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ 187 إِلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَجَعَلَ يُزَاحِمُ النَّاسَ عَلَى النُّهْبَةِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنِ النُّهْبَةِ ؛ قَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ ، وَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْوَلَائِمِ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ; وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ ، أَشْبَهَ إِبَاحَةَ الطَّعَامِ لِلضِّيفَانِ ، وَعَنْهُ : لَا يُعْجِبُنِي ، هَذِهِ نُهْبَةٌ لَا تُؤْكَلُ ، وَفَرَّقَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ بِذَبْحِهِ زَالَ مِلْكُهُ ، وَالْمَسَاكِينُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، وَالنَّثَرُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ ( وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَهُوَ لَهُ ) ; لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي حِجْرِهِنَّ فَمَلَكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ إِلَيْهِ سَمَكَةٌ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَمْلِكُهُ مَعَ الْقَصْدِ ، وَبِدُونِ الْقَصْدِ وَجْهَانِ .
فَرْعٌ : إِذَا قَسَّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَلَا بَأْسَ; لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَذَقَ بَعْضُ وَلَدِهِ ، فَقَسَّمَ عَلَى الصِّبْيَانِ الْجَوْزَ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ; وَلِأَنَّ بِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ ، مَعَ أَنَّ فِيهِ إِطْعَامَ الطَّعَامِ ، وَجَبْرَ الْقُلُوبِ وَانْبِسَاطَهَا ، وَهُوَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ .
فَائِدَةٌ : إِذَا قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ ، أَوْ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْبَدَنِ ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَهُ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ ، فَهُوَ صُورَةٌ وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا; لِلْأَخْبَارِ ، وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهَا مُحَرَّمٌ كَعَمَلِهَا .
( فَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهَا ) ; لِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً لَهَا; وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ تَعْلِيقِهَا إِنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالْإِغْرَارِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْبُسُطِ; لِقَوْلِ عَائِشَةَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئًا عَلَى نُمْرُقَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ; وَلِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً كَالْبُسُطِ ( وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ ) غَيْرِ حَرِيرٍ ( لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، فَهَلْ يُبَاحُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا يُكْرَهُ ، وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ : قَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِّرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ عُمَرَ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : دُعِيَ حُذَيْفَةُ ، فَخَرَجَ ، وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ وَكَرَاهَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ فِي ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ ، وَالْأُخْرَى : يَحْرُمُ ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُسْتُرَ الْجُدُرُ وَكَمَا لَوْ كَانَتِ السُّتُرُ حَرِيرًا ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " الْأَوَّلَ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ; لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ لِحَاجَةٍ ، أَشْبَهَ السُّتُرَ عَلَى الْبَابِ ، وَفِي جَوَازِ 186 خُرُوجِهِ لِأَجْلِهِ وَجْهَانِ ، فَلَوْ كَانَ فِيهَا آنِيَةٌ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ ، فَهُوَ مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَكَذَا مَا كَانَ مِنِ الْفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كَالْمُكْحُلَةِ .
( وَلَا يُبَاحُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ ) صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ ، كَدُعَائِهِ إِلَيْهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ; لِأَنَّ أَكْلَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُحَرَّمٌ ، كَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ ( وَالدُّعَاءُ إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِذَا دُعِيتَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ عَنْهُ ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " : لَيْسَ الدُّعَاءُ إِذْنًا لِلدُّخُولِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ ، وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ ، فِيمَنْ كَتَبَ مِنْ مَحْبَرَةِ غَيْرِهِ يَجُوزُ فِي حَقِّ مَنْ تَنْبَسِطُ إِلَيْهِ ، وَيَأْذَنُ لَهُ عُرْفًا .
( وَالنُّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ ) عَلَى الْمَذْهَبِ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ; وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ ، وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفْسِ الْمُنْتَهِبِ ، لَا يُقَالُ : ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ; لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ لِمَالٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا كَسَائِرِ الْإِبَاحَاتِ ( وَعَنْهُ : لَا يُكْرَهُ ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ قَالَ : قُرِّبَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ ، فَقَالَ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ : هَذَا جَارٍ مَجْرَى النُّثَارِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ 187 إِلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَجَعَلَ يُزَاحِمُ النَّاسَ عَلَى النُّهْبَةِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنِ النُّهْبَةِ ؛ قَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ ، وَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْوَلَائِمِ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ; وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ ، أَشْبَهَ إِبَاحَةَ الطَّعَامِ لِلضِّيفَانِ ، وَعَنْهُ : لَا يُعْجِبُنِي ، هَذِهِ نُهْبَةٌ لَا تُؤْكَلُ ، وَفَرَّقَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ بِذَبْحِهِ زَالَ مِلْكُهُ ، وَالْمَسَاكِينُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، وَالنَّثَرُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ ( وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَهُوَ لَهُ ) ; لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي حِجْرِهِنَّ فَمَلَكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ إِلَيْهِ سَمَكَةٌ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَمْلِكُهُ مَعَ الْقَصْدِ ، وَبِدُونِ الْقَصْدِ وَجْهَانِ .
فَرْعٌ : إِذَا قَسَّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَلَا بَأْسَ; لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَذَقَ بَعْضُ وَلَدِهِ ، فَقَسَّمَ عَلَى الصِّبْيَانِ الْجَوْزَ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ; وَلِأَنَّ بِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ ، مَعَ أَنَّ فِيهِ إِطْعَامَ الطَّعَامِ ، وَجَبْرَ الْقُلُوبِ وَانْبِسَاطَهَا ، وَهُوَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث