المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثامن
( الثَّانِي : أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَغَيْرِهِمْ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنْ 167 الْقُرْآنِ " عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ " ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ : " أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ " ( وَعَنْهُ : ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ ) وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ وَفِي لَفْظٍ لَا تُحَرِّمُ الِإْمَلَاجَةُ ، وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثَّلَاثُ كَالْعَادَةِ فِي الْحَيْضِ ( وَعَنْهُ : وَاحِدَةٌ ) وَهِيَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَزَعَمَ اللَّيْثُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَمَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ . وَعُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَشْهَدُ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَعْدَادُ الرَّضَعَاتِ كَتَحْرِيمِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَعَنْ حَفْصَةَ : عَشْرٌ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْعُمُومِ ، أَوْ بِالْمَفْهُومِ ، وَالصَّرِيحُ رَاجِحٌ عَلَيْهِمَا ، وَالْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مُقَيَّدٌ بِسُنَّةِ نَبِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ يَقِفِ اللَّيْثُ عَلَى الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ( وَمَتَى أَخَذَ الثَّدْيَ فَامْتَصَّ ، ثُمَّ تَرَكَهُ ، أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ فَهِيَ رَضْعَةٌ ) كَذَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِّ الرَّضْعَةِ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهَا إِلَى الْعُرْفِ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنٍ ، وَلَا مِقْدَارٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى الْعُرْفِ ، فَإِذَا ارْتَضَعَ ، ثُمَّ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ ، أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ فَهِيَ رَضْعَةٌ ( فَمَتَى عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى ) لِأَنَّ الْعَوْدَ ارْتِضَاعٌ ، فَكَانَ رَضْعَةً أُخْرَى كَالْأُولَى ( بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا 168 أَوْ قَرُبَ ) إِذِ الْعِبْرَةُ بِتَعْدَادِ الرَّضَعَاتِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالرَّضْعَةِ ، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبُ كَالْبَعِيدِ ( وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ شِبَعًا ، أَوْ لِأَمْرٍ يُلْهِيهِ ) لِأَنَّ الْفَصْلَ مَوْجُودٌ فِي الْكُلِّ ( أَوْ لِانْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيْرِهِ ، أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَمَا تَرَى الصَّبِيَّ يَرْضَعُ مِنَ الثَّدْيِ ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ النَّفَسُ أَمْسَكَ عَنِ الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ وَيَسْتَرِيحَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ رَضْعَةٌ ، وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ السُّعُوطِ ، وَالْوَجُورِ رَضْعَةٌ ، فَكَذَا هُنَا ( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ فُهُمَا رَضْعَةٌ ) لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ ( إِلَّا أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا ) فَيَكُونَا رَضْعَتَيْنِ لِأَنَّ جَعْلَهُمَا رَضْعَةً يَلْغِي الزَّمَانَ مَعَ طُولِهِ ، أَوِ انْتِقَالِهِ مِنِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْآكِلَ لَوْ قَطَعَ الْأَكْلَ لِلشُّرْبِ ، أَوْ عَارَضَ وَعَادَ فِي الْحَالِ كَانَ أَكْلَةً وَاحِدَةً ، فَكَذَا الرَّضَاعُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : حَدُّ الرَّضْعَةِ أَنْ يَمُصَّ ، ثُمَّ يُمْسِكَ عَنِ الِامْتِصَاصِ لِتَنَفُّسٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ خَرَجَ الثَّدْيُ مِنْ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يَخْرُجْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ، وَلَا الْمَصَّتَانِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مَصَّةٍ أَثَرًا ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْوَجُورِ ، وَالسُّعُوطِ رَضْعَةٌ ، فَالِامْتِصَاصُ أَوْلَى .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث