المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثامن
الصفحة 2515 · ص. المطبوع 181 · الشرح
فَصْلٌ
( إِذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ ، أَوْ عَدَدِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ ( وَإِنْ شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا ) هَذَا الْمَذْهَبُ ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ لِمَا ۝ رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ عَنْهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : دَعْهَا عَنْكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبِيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ، فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : ۝ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ مِنَ الشُّهُودِ ، فَقَالَ : رَجُلٌ ، أَوِ امْرَأَةٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي مَتْنِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَرْضِيَّةً أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا لِلْخَبَرِ ، وَالْمُتَبَرِّعَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ ، قِيلَ : مَعَ الْيَمِينِ ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ نَفْعٌ مَقْصُودٌ ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا ، لَا يُقَالُ : إِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْخُلْوَةَ وَالسَّفَرَ مَعَهُ ، وَتَصِيرُ مَحْرَمًا لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ الَّتِي تَرِدُ بِهَا الشَّهَادَةُ ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ 181 زَوَّجْتَهُ وَأَعْتَقَ أَمَتَهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ حَلَّ لَهُمَا نِكَاحُهَا بِذَلِكَ ( وَعَنْهُ : أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرَضِيَّةً اسْتُحْلِفَتْ ) مَعَ شَهَادَتِهَا ( فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا ) أَيْ : يُصِيبُهَا فِيهِمَا بَرَصٌ عُقُوبَةً عَلَى شَهَادَتِهَا الْكَاذِبَةِ ( وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ رَأْيٌ ، وَعَنْهُ لَا تُقْبَلُ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ; لِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنَ النِّسَاءِ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ أُمِّ الْمُنْكِرِ وَبِنْتُهُ ، لَا الْمُدَّعِي إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئَا حِسْبَةً ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فَقَطْ حَتَّى أُمِّ الْمُرْضِعَةِ ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : إِنَّ الظِّئْرَ إِذَا قَالَتْ : أَشْهَدُ أَنِّي أَرْضَعْتُكُمَا لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِنْ قَالَتْ : أَشْهَدُ أَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنِّي قَبْلُ ( وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ : هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ ) وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ ، ثُمَّ رَجَعَ ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ ، وَلَوِ ادَّعَى خَطَأً ، وَهَذَا فِي الْحُكْمِ ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ ، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ ( فَإِنْ صَدَّقَتْهُ ، فَلَا مَهْرَ ) لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ، لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ مَهْرًا كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ( وَإِنَّ كَذَّبَتْهُ ) قَبِلَ قَوْلَهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إِسْقَاطِ حُقُوقِهَا ، وَتَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ ، فَقَبِلَ ( فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ) لِأَنَّهَا فِرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ ( وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُلِّ حَالٍ ) 182 لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ ، وَهَذَا مَا لَمْ تُطَاوِعْهُ عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ ، وَقِيلَ : إِنْ صَدَّقَتْهُ سَقَطَ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَلَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُسَمَّى فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، لَكِنْ قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " : لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : بَلْ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ مَعَ جَهْلِهَا بِالتَّحْرِيمِ ( وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قَالَتْ هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ وَأَكْذَبَهَا ) وَلَا بَيِّنَةَ وَحَلَفَ ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ( فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ ) لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ; لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ ; لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَفِي " الشَّرْحِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَطَاوَعَتْهُ فِي الْوَطْءِ ، فَلَا مَهْرَ لِإِقْرَارِهَا بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَهَا الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْمًا ; لِأَنَّ قَوْلَهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث