المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثامن
الصفحة 2647 · ص. المطبوع 286 · الشرح
فَصْلٌ
( الثَّالِثُ أَنْ يُؤْمَنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [ الْإِسْرَاءِ 33 ] ، وَالْقَتْلُ الْمُفْضِي إِلَى 286 التَّعَدِّي ، فِيهِ إِسْرَافٌ ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْوَجِيزِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " الْجَانِي ، وَهُوَ أَحْسَنُ ( فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ لَمْ تُقْتَلْ ) وَحُبِسَتْ ، فَإِذَا وَلَدَتْ جُلِدَتْ وَأُقِيدَ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ ( حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، قَالَ : ثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، قَالُوا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ۝ إِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ عَمْدًا ، فَلَا تُقْتَلُ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا ، وَإِنْ زَنَتْ لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى وَلَدِهَا وَقَتْلُهُ حَرَامٌ ، وَالْوَلَدُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللِّبَأِ ضَرَرًا كَثِيرًا ، وَقَالَ فِي " الْكَافِي " : لَا يَعِيشُ إِلَّا بِهِ ( ثُمَّ إِنْ وَجَدَتْ مَنْ تُرْضِعُهُ ) قُتِلَتْ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ قَتْلِهَا إِنَّمَا كَانَ لِلْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " يَلْزَمُ بِرَضَاعِهِ بِأُجْرَةٍ ( وَإِلَّا ) أَيْ : إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ ( تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ ) لِحَوْلَيْنِ لِلْخَبَرِ ، وَالْمَعْنَى : إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ ضَرَرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إِذَا أُخِّرَ مِنْ أَجْلِ سَقْطِ الْحَمْلِ فَلَأَنْ يُؤَخَّرَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الْوَلَدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ سَقْيُهُ لَبَنَ شَاةٍ ، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ وَصَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهَا تُقْتَلُ ; لِأَنَّ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ ، وَقِيلَ : بَلَى كَمَنْ خِيفَ تَلَفُهَا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَالَ حَمْلِهَا ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّعَدِّي إِلَى 287 تَلَفِ الْوَلَدِ ، أَشْبَهَ الِاقْتِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، بَلْ يُقَادُ مِنْهَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَسَقْيِ اللِّبَأِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ وَيَفْرُغُ نِفَاسُهَا ، وَفِي " الْبُلْغَةِ " هِيَ فِيهِ كَمَرِيضٍ ( وَحُكْمُ الْحَدِّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْقِصَاصِ ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَلِلْخَبَرِ السَّابِقِ ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي تَأْخِيرَ الرَّجْمِ مَعَ وُجُودِ مُرْضِعَةٍ لِتُرْضِعَهُ بِنَفْسِهَا ، وَقِيلَ : يَجِبُ ، نَقَلَ الْجَمَاعَةُ : تُتْرَكُ حَتَّى تَفْطِمَهُ ، وَلَا تُحْبَسُ لِحَدٍّ ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " ، وَ " الرِّعَايَةِ " ، بَلِ الْقَوَدُ وَلَوْ مَعَ غَيْبَةِ وَلِيِّ مَقْتُولٍ ، لَا فِي مَالٍ غَائِبٍ ( فَإِنِ ادَّعَتِ الْحَمْلَ احْتُمِلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا فَتُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ لِلْحَمْلِ أَمَارَاتٍ خَفِيَّةً تَعْلَمُهَا مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ كَالْحَيْضِ وَعَلَيْهِ فِي " التَّرْغِيبِ " : لَا قَوَدَ مِنْ مَنْكُوحَةٍ مُخَالِطَةٍ لِزَوْجِهَا ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْئِهَا لِأَجْلِ الظِّهَارِ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ ( وَاحْتُمِلَ أَلَّا يُقْبَلَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ) وَلَوِ امْرَأَةً ، ذَكَرَ فِي " الْفُرُوعِ " ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا تُرِي أَهْلَ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِحَمْلِهَا أُخِّرَتْ ، وَإِنْ شَهِدْنَ بِبَرَاءَتِهَا لَمْ تُؤَخَّرْ ; لِأَنَّ الْحَقَّ حَالَ عَلَيْهَا ، فَلَا تُؤَخَّرُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا ، فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَى الْقَوَابِلِ ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ أُخِّرَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا لِأَنَّهُ إِذَا أَسْقَطْنَا الْقِصَاصَ مِنْ خَوْفِ الزِّيَادَةِ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى ( وَإِنِ اقْتُصَّ مِنْ حَامِلٍ ) حَرُمَ وَأَخْطَأَ السُّلْطَانُ الَّذِي مَكَّنَهُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ وَعَلَيْهِمَا الْإِثْمُ إِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ ، أَوْ كَانَ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ وَإِلَّا فَالْإِثْمُ عَلَى الْعَالِمِ ، وَالْمُفَرِّطِ وَ ( وَجَبَ ضَمَانُ جَنِينِهَا عَلَى قَاتِلِهَا ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ ، فَلَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ فِي مِثْلِهِ فَفِيهِ غُرَّةٌ ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا 288 لِوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُهُ فِيهِ ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِنَايَةِ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَيُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ ، وَالْوَلِيُّ عَالِمَيْنِ بِالْحَمْلِ وَتَحْرِيمِ الِاسْتِيفَاءِ ، أَوْ جَاهِلَيْنِ بِالْأَمْرَيْنِ ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا ، أَوْ كَانَ الْوَلِيُّ عَالِمًا بِذَلِكَ دُونَ الْمُمْكِنِ لَهُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ ، وَالْحَاكِمُ الَّذِي مَكَّنَهُ صَاحِبُ سَبَبٍ وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ دُونَ الْوَلِيِّ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ كَالسَّيِّدِ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ الْأَعْجَمِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ ضَمِنَ الْحَاكِمُ فَقَطْ ، وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ فَقِيلَ : الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ، وَقِيلَ : عَلَى الْوَلِيِّ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " ، وَقِيلَ : يَضْمَنُهُ السُّلْطَانُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُقْتَصُّ وَحْدَهُ بِالْحَمْلِ فَيَضْمَنُ ( وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الَّذِي مَكَّنَهُ مِنْ ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنَ الْإِتْلَافِ فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ كَمَا لَوْ أَمَرَ عَبْدَهُ الْجَاهِلَ بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِهِ ، فَعَلَى هَذَا هَلِ الْغُرَّةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، أَوْ مَالِهِ ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
فَرْعٌ : قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " : فَإِنْ قَتَلَهَا فَتَلِفَ جَنِينُهَا ضَمِنَ السُّلْطَانُ الْمُمَكِّنُ مِنْهَا بِغُرَّةٍ ، وَعَنْهُ : فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ رَمَتْهُ حَيًّا فَمَاتَ بِذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهُ ، أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ قِيمِيًّا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَعَنْهُ : مِنْ عَاقِلَتِهِ ، وَقِيلَ : يَضْمَنُهُ قَاتِلُهَا ، وَقِيلَ : إِنْ عَلِمَ وَحْدَهُ بِالْحَمْلِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث