المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء التاسع
الصفحة 2866 · ص. المطبوع 134 · الشرح
فَصْلٌ .
( الْخَامِسُ : انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ ) لِأَنَّ الْقَطْعَ حَدٌّ فَيُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ ( فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ) لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ " ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ ، أَخَذَهُ لِقَوْلِهِ : " إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ ، وَلِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ ( وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ ، وَإِنْ عَلَا ) لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تَمْنَعُ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ كَالْأَبِ ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلِابْنِ فِي مَالِ أَبِيهِ حِفْظًا لَهُ ، فَلَا يَجُوزُ إِتْلَافُهُ حِفْظًا لِلْمَالِ ، وَعَنْهُ : يُقْطَعُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ يُقَادُ بِهِ وَيُحَدُّ بِالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَجَوَابُهُ : مَا سَبَقَ ، وَالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ فَفِيهِ مَنْعٌ ، وَإِنْ سَلِمَ ، فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا ( وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ ) لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَالْمُسَاوَاةُ ، وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِهِمَا سَوَاءٌ ( وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِغُلَامٍ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّ غُلَامِي قَدْ سَرَقَ ، فَأَقْطَعُ يَدَهُ ؛ فَقَالَ عُمَرُ : خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَالَكُمْ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَا قَطْعَ ، مَالُكَ سَرَقَ مَالَكَ ، وَالْمُكَاتَبُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ ، وَلَا يُقْطَعُ سَيِّدٌ بِسَرِقَةِ 134 مَالِ مُكَاتَبِهِ فَإِنْ مَلَكَ وَفَاءً فَيَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ وَفِي " الِانْتِصَارِ " فِيمَنْ وَارِثُهُ حُرٌّ يُقْطَعُ ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ ، وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ .
( وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، ۝ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْطَعْهُ ، وَقَالَ : مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَقَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا قَطْعَ ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ . وَقَالَ سَعِيدٌ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، أَنَا مُغِيرَةُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ : لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَطْعٌ ، وَكَذَا لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ ، أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ ، فَلَوْ سَرَقَ ذِمِّيٌّ ، أَوْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قُطِعَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ ( وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ ) كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْطَعِ الْأَبُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ ، لِكَوْنِ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً ، فَلَأَنْ لَا يُقْطَعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى ( أَوْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ ) كَمَالٍ مُشْتَرَكٍ لِأَبِيهِ وَابْنِهِ ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً لَكُوْنِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ ( وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ) أَيْ : لَمْ تُخَمَّسْ ( أَوْ لِوَلَدِهِ ، أَوْ سَيِّدِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ ) لِأَنَّ لَهُ فِي الْمَالِ الْمَسْرُوقِ حَقًّا ، أَوْ شُبْهَةَ حَقٍّ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَمْنَعُ الْحَدَّ ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ يُحْرَقُ رَحْلُهُ كَالْغَالِّ ، وَإِنْ أُخْرِجَ الْخُمْسُ فَسَرَقَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ ، قُطِعَ .
( وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " ، إِحْدَاهُمَا : لَا قَطْعَ ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ ، وَهِيَ قَوْلُ عُمَرَ . 135 رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ بِغَيْرِ حَجْبٍ ، وَيَنْبَسِطُ بِمَالِهِ ، أَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ ، وَكَمَا لَوْ مَنَعَهَا نَفَقَتَهَا ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " .
وَالثَّانِيَةُ : يُقْطَعُ كَحِرْزٍ مُفْرَدٍ ، قَالَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " ، كَضَيْفِهِ ، وَصَدِيقِهِ ، وَعَبْدِهِ مِنِ امْرَأَتِهِ ، مِنْ مَالٍ مُحْرَزٍ عَنْهُ ، وَلَمْ يَمْنَعِ الضَّيْفَ قِرَاهُ ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ ، فَقَالُوا : يُقْطَعُ الزَّوْجُ بِسَرِقَةِ مَالِهَا ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ بِخِلَافِهَا ، لِأَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ فِيهِ ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَالُ أَحَدِهِمَا مُحْرَزًا عَنِ الْآخَرِ فَلَا قَطْعَ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .
فَرْعٌ : لَا تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ بِسَرِقَةِ نَفَقَتِهَا ، أَوْ نَفَقَةِ وَلَدِهَا الْوَاجِبَةِ مَعَ مَنْعِهَا مِنْهُمَا ، سَوَاءٌ أَخَذَتْ قَدْرَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ قَدْرَ ذَلِكَ ، فَالزَّائِدُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا ، فَاسْتُحِقَّ أَخْذُهُ ( وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ ) نَصَرَهُ الْقَاضِي ، وَالْمُؤَلِّفُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، لِأَنَّ الْقَرَابَةَ هُنَا لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، فَلَا تَمْنَعُ الْقَطْعَ ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ تَعُمُّ كُلَّ سَارِقٍ خَرَجَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ ، وَقِيلَ : إِلَّا ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، وَفِي " الْوَاضِحِ " : قُطِعَ غَيْرُ أَبٍ ( وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَعْصُومًا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ كَمَالِ الْمُسْلِمِ ( وَالْمُسْتَأْمَنِ ) لِأَنَّ مَالَهُ مَالُ الذِّمِّيِّ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلَافِهِ ( وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ) لِأَنَّهُ إِذَا قُطِعَ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ فَلَأَنْ يُقْطَعُوا بِسَرِقَةِ مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَكَقَوَدٍ ، وَحَدِّ قَذْفٍ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا ، وَضَمَانِ مُتْلَفٍ ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يُقْطَعُ مُسْتَأْمَنٌ كَحَدِّ خَمْرٍ وَزِنًا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ ، وَسَوَّى فِي " الْمُنْتَخَبِ " بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ 136 الْقَطْعِ ( وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا ) ، أَوْ بَعْضَهَا ( وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ لَمْ يُقْطَعْ ) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَحُّ ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ السَّارِقَ الظَّرِيفَ ، لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ( وَعَنْهُ : يُقْطَعُ ) قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ " ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَأَدَّى إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَطْعِ ، فَتَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ( وَعَنْهُ : لَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ ) اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الدَّارِ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَمَرَنِي رَبُّ الدَّارِ أَنْ أُخْرِجَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَدُّ زِنًا ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَغَيْرُهُ : لَا يُحَدُّ ( وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ ، أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ ، لَمْ يُقْطَعْ ) لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةً فِي هَتْكِ الْحِرْزِ مِنْ أَجْلِ أَخْذِ مَالِهِ ، فَإِذَا هُتِكَ الْحِرْزُ صَارَ كَأَنَّ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ أُخِذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ، وَقِيلَ : بَلَى ، إِنْ تَمَيَّزَ ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ قَدْرِ مَالِهِ إِذَا عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ ( وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ قُطِعَ ) لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ( إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ فَيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّهِ ، فَلَا يُقْطَعُ ) نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ ، لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَبَاحَ لَهُ الْأَخْذَ ، فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي إِبَاحَةِ الْأَخْذِ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ ، كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ ، فَإِنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ فَهَلْ يُقْطَعُ ؛ هُنَا فِيهِ وَجْهَانِ ( وَقَالَ الْقَاضِي : يُقْطَعُ ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ 137 الْأَخْذُ ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " : وَهَذَا لَا يَلْغِي النَّاشِئَةَ عَنْ الِاخْتِلَافِ ، ثُمَّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " : وَقِيلَ ، إِنْ أَخَذَهُ وَلَا بَيِّنَةَ ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ فَلَا . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَأْخُذُ بِدُونِ إِذْنِهِ ، أَوْ إِذْنِ حَاكِمٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا ) مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ أَوْ غَيْرِهِ ( قُطِعَ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزَجِرْ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ غَيْرَهَا ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ لَا يُعَادُ مَرَّةً أُخْرَى ، لَأَنَّ الْغَرَضَ إِظْهَارُ كَذِبِهِ ، وَقَدْ ظَهَرَ ، وَهُنَا الْمَقْصُودُ : رَدْعُهُ ، وَزَجْرُهُ عَنِ السَّرِقَةِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَيُرْدَعُ بِالثَّانِي ، كَمَا لَوْ سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى ( وَمَنْ أَجَّرَ دَارَهُ أَوْ أَعَارَهَا ، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ قُطِعَ ) لِأَنَّهُ هَتَكَ حِرْزًا ، وَسَرَقَ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ ، فَقُطِعَ ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مَنْ مَلَكَهُمَا ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُعِيرِ ، لِمَا تَقَدَّمَ ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حِرْزًا لِمِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَةِ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالٌ : إِنْ قَصَدَ بِدُخُولِهِ الرُّجُوعَ ، قَالَ فِي " الْفُنُونِ " : لَهُ الرُّجُوعُ بِقَوْلِ لَا سَرِقَةَ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ السَّرِقَةُ قَبْلَ الْقَطْعِ قُطِعَ مَرَّةً ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ، لِأَنَّ الْقَطْعَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَتَدَاخَلَ كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ ، وَعَنْهُ : إِنْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث