المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء التاسع
الصفحة 3027 · ص. المطبوع 340 · الشرح
( وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ ) خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ( لَزِمَهُ التَّتَابُعُ ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ ، وَكَمَنَ نَوَاهُ ، وَعَنْهُ : لَا يَلْزَمُهُ ، لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا نِيَّةٌ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : إِنْ قَطَعَهُ بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ ، وَبِعُذْرٍ يُخَيَّرُ بَيْنَهُ بِلَا كَفَّارَةٍ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ ، وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ وَيُكَفِّرُ ( وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ ) وَلَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ( لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا : رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ ، لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّتَابُعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ] الْبَقَرَةِ : 184 [ وَعَنْهُ فِيمَنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَصُومُهَا مُتَتَابِعًا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي ، قَالَ فِي الْكَافِي : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ نَوَى التَّتَابُعَ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ ) فَيَلْزَمُهُ لِلْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا هَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيمَا دُونَ الثَلَاثِينَ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، صَحَّحَ فِي 340 الرِّعَايَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي الْعَشَرَةِ دُونَ الثَلَاثِينَ ، قَالَ فِي الشَّرْحِ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ، وَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَالْأَيَّامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا ، فَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ لَمْ يَقْضِهِ وَيُكَفِّرُ ، وَإِنْ لَزِمَهُ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةٌ قَدَّمَهُ عَلَى النَّذْرِ ، وَإِذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ الصِّيَامُ احْتُمِلَ أَنْ لَا تَجِبَ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَجِبَ ، وَلَا تَجِبُ بِفِعْلِهَا كَفَّارَةٌ ( وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا ) غَيْرَ مُعَيَّنٍ ( فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ قَضَى لَا غَيْرَ ) كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ، وَالْمَرَضُ وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ، فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِئْنَافُ لِبَقَاءِ التَّتَابُعِ حُكْمًا ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ مُتَتَابِعًا بِلَا كَفَّارَةٍ ، وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَقَضَاءِ مَا تَرَكَ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْبِنَاءِ فَهَلْ يُتِمُّ ثَلَاثِينَ ، أَوِ الْأَيَّامَ الْفَائِتَةَ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَفِي التَّكْفِيرِ وَجْهٌ كَشَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ( وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ ) وِفَاقًا ضَرُورَةَ الْوَفَاءِ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ ( وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ ، أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ) أَيْ : إِذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ ، كَالسَّفَرِ ، فَقِيلَ : لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ ، كَالْمَرَضِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ ، وَقِيلَ : بَلَى ، لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِاخْتِيَارِهِ كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ : يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ ، وَالسِّفْرِ الْمُبِيحِ ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ ، بِخِلَافِ السَّفَرِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ السَّفَرُ التَّتَابُعَ ، لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ ( وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَطْعَمَ عَنْهُ 341 لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ ، وَسَبَبُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ وَاجِبِ الصَّوْمِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا ، فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ ، وَعَنْهُ : لَا يَجِبُ إِلَّا الْإِطْعَامُ فَقَطْ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) هَذَا رِوَايَةٌ ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ ، وَقَدَّمَهَا فِي الْكَافِي ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَقْيَسُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَسَائِرِ النُّذُورِ ، وَقِيَاسُ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى ، لِأَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَفِي النَّوَادِرِ احْتِمَالٌ يُصَامُ عَنْهُ ، وَسَبَقَ فِعْلُ الْوَلِيِّ عَنْهُ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَكَذَا إِنْ نَذَرَهُ عَاجِزًا عَنْهُ ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : مَا كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمُرَادُهُمْ غَيْرُ الْحَجِّ ، وَإِلَّا فَلَوْ نَذَرَ مَعْضُوبٌ أَوْ صَحِيحٌ أَلْفَ حَجَّةٍ لَزِمَهُ ، وَيُحَجُّ عَنْهُ ، وَالْمُرَادُ لَا يُطِيقُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ ، وَإِلَّا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْهُ ، وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي ، وَقِيلَ : لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَفَاتَ وَقْتُهُ قَضَاهُ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث