المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء العاشر
الصفحة 3062 · ص. المطبوع 40 · الشرح
( وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْتَشِيَ ) وَالرَّشْوَةُ : بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي " . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَادَا " فِي الْحُكْمِ " وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ ، وَزَادَ " وَالرَّايِشَ " يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا بِهَا . فَإِنْ رَشَاهُ عَلَى وَاجِبٍ ، أَوْ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ ، فَقَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَالَهُ كَمَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ . ( وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : 40 " ۝ هِدَايَةُ الْعُمَّالِ غُلُولٌ " . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَعَنْهُ قَالَ : ۝ بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ . فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا لِي ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ عَفْرَةَ إِبْطَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا " . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِيمَا مَضَى هَدِيَّةً ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهِيَ رَشْوَةٌ . وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : فَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ : الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحَكَمِ . ( إِلَّا مِمَّنْ كَانَ يَهْدِي إِلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونُ لَهُ حُكُومَةٌ ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ ، لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِمَالَةِ ، أَوْ مِنْ أَجْلِ الْحُكُومَةِ ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ . وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا ، وَفِي " الشَّرْحِ " وَ " الرِّعَايَةِ " : إِنَّهُ إِنْ أَحَسَّ 41 أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ حُكُومَةٍ ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ ، أَنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهَا . قَالَ فِي " الْكَافِي " : وَالْأَوْلَى الْوَرَعُ عَنْهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْحُكُومَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ . تَنْبِيهٌ : إِذَا ارْتَشَى الْحَاكِمُ أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً ، فَقِيلَ : تُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ . وَقِيلَ : تُرَدُّ إِلَى مَالِكِهَا ، قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ . وَقِيلَ : يَمْلِكُ بِتَعْجِيلِهِ الْمُكَافَأَةَ . فَعَلَى الْأَوَّلِ : هَدِيَّةُ الْعَامِلِ لِلصَّدَقَاتِ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فَدَلَّ أَنَّ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الرَّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَجْهَيْنِ . قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ : لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا ، يُرْوَى : هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ وَالْحَاكِمُ خَاصَّةً لَا أُحِبُّهُ لَهُ ، إِلَّا مِمَّنْ كَانَ لَهُ بِهِ خُلْطَةٌ وَصِلَةٌ وَمُكَافَأَةٌ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث