المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء العاشر
بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ .
طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ : مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَيْهِ . وَالْحُكْمُ : الْفَصْلُ . ( إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الْخَصْمَانِ ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ ، أَوْ يُجْلِسُهُمَا لِذَلِكَ .
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ . لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ مِنَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِمَا .
وَفِي " الرِّعَايَةِ " : إِذَا جَاءَهُ خَصْمَانِ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ أَجْلَسَهُمَا حَاجِبُهُ ، أَوْ أَذِنَ لَهُمَا الْحَاكِمُ بِذَلِكَ ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ إِنْ كَانَا شَرِيفَيْنِ أَوْ كَبِيرَيْنِ . ( فَلَهُ أَنْ يَقُولَ مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؛ ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . ( وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا ) لِأَنَّ كَلَامَهُ يَسْتَدْعِي طَالِبًا لَهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ . وَقِيلَ : بَلْ يَسْكُتُ حَتَّى يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا . وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ : مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؛ إِنْ سَكَتَا جَمِيعًا ، وَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا حَاجِبُهُ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا : تَكَلَّمْ ; لِأَنَّ فِي إِفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ . ( فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى قَدَّمَهُ ) . 57 لِأَنَّ لِلسَّابِقِ حَقُّ تَقَدُّمٍ ، فَلَوْ قَالَ الْخَصْمُ : أَنَا الْخَصْمُ . لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ . ( وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ) هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ الِازْدِحَامِ ، بِدَلِيلِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ . وَقِيلَ : مَنْ شَاءَ الْحَاكِمُ قَدَّمَ مِنْهُمَا . وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا . وَقِيلَ : يُؤَخِّرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنِ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا . ( فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ ) لِأَنَّ التَّزَاحُمَ قَدْ زَالَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَلِيُّ إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ . قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " : وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ شَكِيَّةَ أَحَدٍ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ ، هَكَذَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ : مَا تَقَوُلُ فِيمَا ادَّعَاهُ ؛ ) قَدَّمَهُ وَصَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يَقْتَضِي ذَلِكَ . ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالَهُ حَتَّى يَقُولَ الْمُدَّعِي : أَسْأَلُ سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ ؛ ) هَذَا وَجْهٌ كَالْحُلْمِ . ( فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ ) سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ وَلَكِنْ ( لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ ) ذَكَرَهُ السَّامَرِيُّ وَالْمَجْدُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " ، لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ . وَاخْتَارَ جَمْعٌ : لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي . وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ ، فَاكْتَفَى بِهَا كَمَا اكْتَفَى فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، الْجَوَابُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ لِجَهْلِهِ فَيَضِيعُ حَقُّهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ ، فَاشْتِرَاطُهُ يُنَافِي ظَاهِرَ حَالِهِمْ . 58 وَفِي " التَّرْغِيبِ " : إِذَا أَقَرَّ فَقَدْ ثَبَتَ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَوْلِهِ : قَضَيْتُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِخِلَافِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ . فَرْعٌ : إِذَا قَالَ الْحَاكِمُ : يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ كَذَا . فَقَالَ : نَعَمْ . لَزِمَهُ ذِكْرُهُ فِي " الْوَاضِحِ " . ( وَإِنْ أَنْكَرَ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي : أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا ، أَوْ بِعْتُهُ . فَيَقُولَ : مَا أَقْرَضَنِي ، وَلَا بَاعَنِي ، أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ ، أَوْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ . صَحَّ جَوَابُهُ ) لِنَفْيِهِ عَيْنَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : ( لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : ( مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ ) وَهَذَا مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْحَقِّ . فَلَوِ ادَّعَتْ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ الْمَهْرَ ، فَقَالَ : لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا . لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ إِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ بِإِسْقَاطِهِ ; لِجَوَابِهِ فِي دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا . وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا : لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ . لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا بَيِّنَةُ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ . نَقَلَهُ مُهَنَّا أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ فِي الصِّحَّةِ . تَنْبِيهٌ : لَوِ ادَّعَى بِدِينَارٍ فَقَالَ : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً . فَلَيْسَ بِجَوَابٍ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي رَفْعِ الدَّعْوَى إِلَّا بِنَصٍّ لَا بِظَاهِرٍ .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَعُمُّ الْحَبَّاتِ ، وَمَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظِ حَبَّةٍ مِنْ بَابِ الْفَحْوَى ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : نَعَمْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ .
وَلَوْ قَالَ : لِي عَلَيْكَ مِائَةٌ . فَقَالَ : لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ . اعْتُبِرَ فِي الْأَصَحِّ قَوْلُهُ ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا كَالْيَمِينِ . فَإِنْ نَكَلَ عَنْ مَا دُونَ الْمِائَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ إِلَّا جُزْءًا .
وَإِنْ قُلْنَا : بِرَدِّ الْيَمِينِ . حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا دُونَ الْمِائَةِ إِذَا لَمْ يَسْنُدِ الْمِائَةَ إِلَى 59 عَقْدٍ ، لِكَوْنِ الْيَمِينِ لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ ذِكْرِ النِّسْبَةِ كَمُطَابِقِ الدَّعْوَى ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " .
طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ : مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَيْهِ . وَالْحُكْمُ : الْفَصْلُ . ( إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الْخَصْمَانِ ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ ، أَوْ يُجْلِسُهُمَا لِذَلِكَ .
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ . لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ مِنَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِمَا .
وَفِي " الرِّعَايَةِ " : إِذَا جَاءَهُ خَصْمَانِ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ أَجْلَسَهُمَا حَاجِبُهُ ، أَوْ أَذِنَ لَهُمَا الْحَاكِمُ بِذَلِكَ ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ إِنْ كَانَا شَرِيفَيْنِ أَوْ كَبِيرَيْنِ . ( فَلَهُ أَنْ يَقُولَ مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؛ ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . ( وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا ) لِأَنَّ كَلَامَهُ يَسْتَدْعِي طَالِبًا لَهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ . وَقِيلَ : بَلْ يَسْكُتُ حَتَّى يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا . وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ : مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؛ إِنْ سَكَتَا جَمِيعًا ، وَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا حَاجِبُهُ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا : تَكَلَّمْ ; لِأَنَّ فِي إِفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ . ( فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى قَدَّمَهُ ) . 57 لِأَنَّ لِلسَّابِقِ حَقُّ تَقَدُّمٍ ، فَلَوْ قَالَ الْخَصْمُ : أَنَا الْخَصْمُ . لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ . ( وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ) هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ الِازْدِحَامِ ، بِدَلِيلِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ . وَقِيلَ : مَنْ شَاءَ الْحَاكِمُ قَدَّمَ مِنْهُمَا . وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا . وَقِيلَ : يُؤَخِّرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنِ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا . ( فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ ) لِأَنَّ التَّزَاحُمَ قَدْ زَالَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَلِيُّ إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ . قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " : وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ شَكِيَّةَ أَحَدٍ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ ، هَكَذَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ : مَا تَقَوُلُ فِيمَا ادَّعَاهُ ؛ ) قَدَّمَهُ وَصَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يَقْتَضِي ذَلِكَ . ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالَهُ حَتَّى يَقُولَ الْمُدَّعِي : أَسْأَلُ سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ ؛ ) هَذَا وَجْهٌ كَالْحُلْمِ . ( فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ ) سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ وَلَكِنْ ( لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ ) ذَكَرَهُ السَّامَرِيُّ وَالْمَجْدُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " ، لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ . وَاخْتَارَ جَمْعٌ : لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي . وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ ، فَاكْتَفَى بِهَا كَمَا اكْتَفَى فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، الْجَوَابُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ لِجَهْلِهِ فَيَضِيعُ حَقُّهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ ، فَاشْتِرَاطُهُ يُنَافِي ظَاهِرَ حَالِهِمْ . 58 وَفِي " التَّرْغِيبِ " : إِذَا أَقَرَّ فَقَدْ ثَبَتَ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَوْلِهِ : قَضَيْتُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِخِلَافِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ . فَرْعٌ : إِذَا قَالَ الْحَاكِمُ : يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ كَذَا . فَقَالَ : نَعَمْ . لَزِمَهُ ذِكْرُهُ فِي " الْوَاضِحِ " . ( وَإِنْ أَنْكَرَ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي : أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا ، أَوْ بِعْتُهُ . فَيَقُولَ : مَا أَقْرَضَنِي ، وَلَا بَاعَنِي ، أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ ، أَوْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ . صَحَّ جَوَابُهُ ) لِنَفْيِهِ عَيْنَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : ( لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : ( مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ ) وَهَذَا مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْحَقِّ . فَلَوِ ادَّعَتْ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ الْمَهْرَ ، فَقَالَ : لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا . لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ إِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ بِإِسْقَاطِهِ ; لِجَوَابِهِ فِي دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا . وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا : لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ . لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا بَيِّنَةُ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ . نَقَلَهُ مُهَنَّا أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ فِي الصِّحَّةِ . تَنْبِيهٌ : لَوِ ادَّعَى بِدِينَارٍ فَقَالَ : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً . فَلَيْسَ بِجَوَابٍ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي رَفْعِ الدَّعْوَى إِلَّا بِنَصٍّ لَا بِظَاهِرٍ .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَعُمُّ الْحَبَّاتِ ، وَمَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظِ حَبَّةٍ مِنْ بَابِ الْفَحْوَى ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : نَعَمْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ .
وَلَوْ قَالَ : لِي عَلَيْكَ مِائَةٌ . فَقَالَ : لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ . اعْتُبِرَ فِي الْأَصَحِّ قَوْلُهُ ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا كَالْيَمِينِ . فَإِنْ نَكَلَ عَنْ مَا دُونَ الْمِائَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ إِلَّا جُزْءًا .
وَإِنْ قُلْنَا : بِرَدِّ الْيَمِينِ . حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا دُونَ الْمِائَةِ إِذَا لَمْ يَسْنُدِ الْمِائَةَ إِلَى 59 عَقْدٍ ، لِكَوْنِ الْيَمِينِ لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ ذِكْرِ النِّسْبَةِ كَمُطَابِقِ الدَّعْوَى ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث