المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
الصفحة 917 · ص. المطبوع 442 · الشرح
442 ( وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ) وَكَانَ مُنْفَرِدًا ( وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ ) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الثِّقَةِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَالْيَأْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، ( وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ ) وَحَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [ الْحَشْرِ : 9 ] وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ " فَقَالَ : اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ ، وَكَمَالِ إِيمَانِهِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ ، وَعَنْ عُمَرَ : رَدُّ جَمِيعِ صَدَقَتِهِ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ ، وَعَنْ مَكْحُولٍ : فِي النِّصْفِ ( وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا قَالَ : " ۝ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ ، وَلَهُمْ كِفَايَةٌ أَوْ يَكْفِيهِمْ بِكَسْبِهِ ، جَازَ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ ، ( وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ ) وَلَا عَادَةَ لَهُ بِهِ ( أَنْ يُنْقِصَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّقْتِيرَ وَالتَّضْيِيقَ مَعَ الْقُدْرَةِ شُحٌّ وَبُخْلٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَتَعَوَّذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ ، وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ وَلَا يَتَصَدَّقُ ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ ، يَسْتَقْرِضُ وَيُهْدِي لَهُ ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ إِذَا ظَنَّ وَفَاءً .
مَسْأَلَةٌ : يَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا ؛ وَهُوَ كَبِيرَةٌ . نَصُّ أَحْمَدَ فِيهَا ، وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِذَلِكَ ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافٌ ، وَفِي بُطْلَانِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ ، وَاخْتَارَ 443 الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِحْبَاطَ لِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ ، وَإِذَا أَخْرَجَ شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، أَوْ وُكِّلَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ بَدَا لَهُ ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمْضِيَهُ وَلَا يَجِبُ ، وَعَنْهُ : أَنَّهُ حَبِيسٌ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا لِسَائِلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ عَزَلَهُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ ، وَمَنْ سَأَلَ فَأُعْطِيَ فَسَخِطَهُ ، لَمْ يُعْطَ لِغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث