المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 947 · ص. المطبوع 37 · الشرح
( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ ) وَيَأْتِي سَلَامَتُهَا وَكَوْنُهَا مُؤْمِنَةً ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ 37 شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ۝ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : مَا أَهْلَكَكَ ؛ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ : هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً ؛ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؛ قَالَ : لَا ، قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؛ قَالَ : لَا ، ثُمَّ جَلَسَ فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا فَقَالَ : عَلَى أَفْقَرِ مِنَّا ، فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ فَقَالَ : اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّرْتِيبِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْتِقَالِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ ، وَكَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، لَكِنْ لَا يَحْرُمُ هُنَا الْوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، وَلَا فِي لَيَالِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ . ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَحَرَّمَهُ ابْنُ الْحَنْبَلِيِّ عُقُوبَةً ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ وَهُوَ فِي الصِّيَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ) شَيْئًا ( سَقَطَتِ ) الْكَفَّارَةُ ( عَنْهُ ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرِ الْأَعْرَابِيَّ بِهَا أَخِيرًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، زَادَ بَعْضُهُمْ بِالْمَالِ ، وَقِيلَ : وَالصَّوْمُ ( وَعَنْهُ : لَا تَسْقُطُ ) وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِهَا الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا جَاءَهُ الْعِرْقُ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُ بِعُسْرَتِهِ ، وَلِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَظْهَرُ . قَالَ بَعْضُهُمْ : فَلَوْ كَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ ، وَقِيلَ : أَوْ دُونَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا ، أَمْ كَانَ خَاصًّا بِالْأَعْرَابِيِّ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَخَصَّ لِلْأَعْرَابِيِّ لِحَاجَتِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ كَفَّارَةٌ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ 38 وَالْيَمِينِ ، وَكَفَّارَاتِ الْحَجِّ لَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ ، وَلِأَنَّهُ الْقِيَاسُ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلْأَخْبَارِ . وَعَنْهُ : تَسْقُطُ كَرَمَضَانَ .
( وَعَنْهُ : أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ ) بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ ( فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ۝ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، أَوْ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ ، أَوْ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا . وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ ، وَتَابَعَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ ، وَفِطْرُهُ كَانَ بِجِمَاعٍ ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ، فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمْ ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا رَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؛ قَالَ : لَا ، قَالَ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؛ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؛ قَالَ : لَا ، وَذَكَرَ سَائِرَهُ ، وَهَذَا لَفْظُ التَّرْتِيبِ فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنَ احْتِمَالِهِ فِي سَائِرِ أَصْحَابِهِ ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَحَدِيثُهُمْ لَفْظُ الرَّاوِي ، فَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرَوَاهُ بِـ " أَوْ " .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث