المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
فَصْلٌ ( وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ ) فِيمَا إِذَا عَيَّنَ مُدَّةً أَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي عَدَدٍ ( إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا قَالَتْ : السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ( لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ) كَالْبَوْلِ ، وَالْغَائِطِ إِجْمَاعًا ، وَسَنَدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَوْ بَطَلَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ 74 وَكَنَّى بِهَا عَنْهُمَا ; لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِمَا ، وَيُلْحَقُ بِهِمَا قَيْءٌ بَغْتَةً ، وَغَسْلُ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ ، وَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ ، وَقَصْدُ مَنْزِلِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَلَا مِنْهُ كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا ، وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ قَالُوا : وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ ، وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَهُ الْقَرِيبَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ ، فَلَوْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، حَرُمَ ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفِعْلِ أَبِي وَائِلٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لِكِبَرٍ وَمَرَضٍ ، وَكَذَا يَخْرُجُ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ ، وَفِيهِمَا احْتِمَالٌ يَجُوزُ فِي إِنَاءٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزَ إِلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ ، وَقِيلَ : الْجَوَازُ لِضَرُورَةٍ فَإِنْ بَالَ خَارِجًا ، وَجَسَدُهُ فِيهِ لَا ذَكَرُهُ كُرِهَ ، وَعَنْهُ : يَحْرُمُ .
تَنْبِيهٌ : الْحَاجَةُ إِلَى الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَتِهِ ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ : يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ ، وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَامِدٍ الْيَسِيرَ كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ لَا كُلِّ أَكْلِهِ ، وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِي إِنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرِ وَنَحْوِهِمَا ، ( وَالطَّهَارَةُ ) كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقُدِّمَا عَلَى الِاعْتِكَافِ ; لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يُكْرَهُ وَضَوْءُهُ فِيهِ فَعَلَهُ بِلَا ضَرَرٍ ، وَكَذَا غُسْلُ جُمُعَةٍ إِنْ وَجَبَ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ ، ( وَالْجُمُعَةُ ) ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ ، وَلَهُ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ 75 وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " احْتِمَالٌ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَلَهُ إِطَالَةُ الْمَقَامِ بَعْدَهَا ، وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ لَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ عَكْسُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ : التَّبْكِيرُ أَرْجُو ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ . وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ . قَالَ : بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ ، وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي النُّذُورِ ، وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إِنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا ، ( وَالنَّفِيرُ الْمُتَعَيِّنُ ) ; لِأَنَّهُ ، وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ ، وَكَذَا إِنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ أَوْ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ ( وَالشَّهَادَةُ الْوَاجِبَةُ ) لِظَاهِرِ الْآيَاتِ . وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُهَا ، وَأَدَاؤُهَا خَرَجَ لَهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ ، ( وَالْخَوْفُ ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ ( مِنْ فِتْنَةٍ ) ; لِأَنَّهُ عُذِرَ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ( أَوْ مَرَضٍ ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِيهِ ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِنْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ ، وَإِلَّا فَلَا ( وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ ) ; لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ ، فَعَلَتْ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، فَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا وَلِهَذَا قِيلَ مَعَ سَلَامَةِ الزَّمَانِ فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْهُ فَأَتَتْ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ . وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ يُسَنُّ جُلُوسُهَا فِي الْمُحَوَّطَةِ ، وَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ فَأَيْنَ شَاءَتْ .
( وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ ) فِي مَنْزِلِهَا ، لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ ، وَلِآدَمِيٍّ 76 لَا يُسْتَدْرَكُ إِذَا تُرِكَ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ ( وَنَحْوُهُ ) كَمَا إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَةٍ ، وَدَفْنُ مَيِّتٍ وَنَحْوُهُ ، وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، كَمَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانٍ أَنْ يَأْخُذَهُ ظُلْمًا ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ ، بَطَلَ ، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ ، وَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا ، لَمْ يَبْطُلْ كَالصَّوْمِ ، وَفِي " الْخِلَافِ " وَ " الْفُصُولِ " تَبْطُلُ لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ كَالْجِمَاعِ .
( فَرْعٌ ) : إِذَا زَالَ رَجَعَ وَقْتَ إِمْكَانِهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ مَا مَضَى ، وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ تَحْتَ سَقْفِ خِلَافًا لِقَوْمٍ .
( وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعَرِّجُ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَرِيضِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَفِي مَعْنَاهُمَا كُلُّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ ، كَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا . وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْهُ بُدٌّ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرِيضَةٍ لِفَضِيلَةٍ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ ) ( فَيَجُوزُ ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُصَيِّرُهُ كَالْمُسْتَثْنِي . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعَ لِمَا سَبَقَ ، وَلَا فَرْقَ فِي الِاشْتِرَاطِ بَيْنَ مَا كَانَ قُرْبَةً كَزِيَارَةِ أَهْلِهِ وَعَالِمٍ ، وَبَيْنَ مَا كَانَ مُبَاحًا وَيَحْتَاجُهُ كَالْعَشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَالْمَبِيتِ فِيهِ . جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوَقْفِ ، وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا ، وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا ، وَعَنْهُ : الْمَنْعُ ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ ; لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ ، كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنُّزْهَةِ وَالْفُرْجَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الِاعْتِكَافَ بِخِلَافِ الْقُرْبَةِ . فَإِنْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّكَسُّبِ بِالصَّنْعَةِ لَمْ يَجُزْ . فَلَوْ قَالَ : مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ ، خَرَجْتُ ، فَلَهُ شَرْطُهُ كَالْإِحْرَامِ ، وَجَعَلَ الْمَجْدُ فَائِدَةَ الشَّرْطِ هُنَا سُقُوطَ 77 الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ ( وَعَنْهُ : لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ) نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَالْجُمُعَةَ ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ ، وَهُوَ قَائِمٌ . وَقَوْلُ ابْنِ الْمَنْجَا : إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ قَالَ أَحْمَدُ : عَاصِمٌ عِنْدِي حُجَّةٌ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَلَهُ تَرْكُهُ رَأْسًا ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ مُقَامُهُ عَلَى اعْتِكَافِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَّةِ ، وَالْمَرِيضُ فِيهِ ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوفُ ; لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِلِاعْتِكَافِ ، ( وَ ) لَهُ ( الدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ ) ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاعْتِكَافِ ، وَالْمَكَانُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ وَالتَّعْيِينِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى ، وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ ، أَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا .
( فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ ) عَنْ حَدَثٍ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجُمُعَةِ وَكَذَا لِلْحَيْضِ وَلِلنِّفَاسِ ، ( فَلَا شَيْءَ فِيهِ ) أَيْ : لَا قَضَاءَ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ كَالْمُسْتَثْنِي لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا ، وَلَا كَفَّارَةَ ، إِذْ لَوْ وَجَبَ فِيهِ شَيْءٌ ، لَامْتَنَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ مِنْهُ ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، وَلَمْ تَنْقَضِ بِهِ مُدَّتُهُ ، ( وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ ) كَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا : الْخُرُوجُ ( فِي ) الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ ( الْمُتَتَابِعِ ) غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ( وَتَطَاوَلَ ) أَيْ : زَمَنُهُ ( خُيِّرَ ) إِذَا زَالَ عُذْرُهُ ( بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ ) وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ 78 غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَشَرَعَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ ( وَإِتْمَامِهِ ) أَيْ : يَبْنِي ، وَيَقْضِي ( مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ) ; لِأَنَّهَا تَجْبُرُ مَا حَصَلَ مِنْ فَوَاتِ التَّتَابُعِ ، وَقَدْ نَبَّهَ الْخِرَقِيُّ عَلَى هَذَا فِي النَّذْرِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ : أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لَعُذْرٍ ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَشَهَادَةٍ وَجِهَادٍ مُتَعَيِّنَيْنِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَمُقْتَضَاهُ : أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا كَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ أَنَّهَا تَجِبُ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ خُرُوجًا غَيْرَ مُعْتَادٍ ، وَفِي " الْمُغْنِي " تَجِبُ الْكَفَّارَةَ إِلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ; لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَضَعَّفَهُمَا الْمَجْدُ : بِأَنَّا سَوَّيْنَا فِي نَذْرِ الصَّوْمِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ ، وَبِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا زَمَنَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي " : لَا يَقْضِي ، وَهُوَ أَظْهَرُ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَطَاوَلْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْضِي ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ ، كَمَا لَوْ طَالَتْ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْحَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ ، ( وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ ) كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، وَنَحْوِهِ ( قَضَى ) مَا تَرَكَ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ ، ( وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ ) أَحَدُهُمَا يُكَفِّرُ ، وَنَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي الْخُرُوجِ لِفِتْنَةٍ ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِيهَا ، وَالْخُرُوجِ لِنَفِيرٍ ، وَعِدَّةٍ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ ، إِذِ النَّذْرُ كَالْيَمِينِ ، وَالثَّانِي لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ . وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَكَرَمَضَانَ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِطْرَهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ . الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا مُطْلَقَةً فَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ التَّتَابُعُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، فَكَالْأُولَى ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ تَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ لِيَكُونَ مُتَتَابِعًا . وَقَالَ 79 الْمَجْدُ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ ، وَيُكَفِّرُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
( وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي الْمُتَتَابِعِ ) الْمَنْذُورِ ( لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ ) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا بِهِ أَشْبَهَ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ ، وَإِنْ قَلَّ كَالْجِمَاعِ ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا عَامِدًا فَلَا إِشْكَالَ ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا ، فَقَدْ سَبَقَ ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فِي الْمَنْصُوصِ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .
فَرْعٌ : إِذَا خَرَجَ فِي مُتَتَابِعٍ مُتَعَيِّنٍ ، كَنَذْرِهِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا اسْتَأْنَفَ كَالْقَسَمِ قَبْلَهُ وَيُكَفِّرُ .
( وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّتَابُعِ كَنَذْرِهِ اعْتِكَافَ رَجَبٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ بِلَا عُذْرٍ ، ( وَفِي الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ ) أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُهُ ، ذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ; لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ . وَالثَّانِي : يَبْنِي ; لِأَنَّ التَّتَابُعَ هُنَا حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَأَصْلُهُمَا : مَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ .
( فَرْعٌ ) : إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ لِتَرْكِهِ الْإِتْيَانَ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ( وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي الْفَرْجِ ) فَهُوَ حَرَامٌ لِلنَّصِّ ( فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ . رَوَاهُ حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَكَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَإِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ يَشْمَلُ الْعَمْدَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَكَالْحَجِّ ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي الصَّوْمِ عَدَمَ الْبُطْلَانِ مَعَ عَدَمِ النِّسْيَانِ ، وَقَالَ : 80 الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَبْنِي ( وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ) لِأَجْلِ الْوَطْءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، إِذِ الْوُجُوبُ مِنَ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ ، وَكَالصَّلَاةِ ، وَالثَّانِيَةُ : وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ كَرَمَضَانَ وَكَالْحَجِّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ( إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ ) كَذَا خَصَّ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ الْوُجُوبَ وَفِي " الْفُصُولِ " يَجِبُ فِي التَّطَوُّعِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَبَعْدَهَا الْمَجْدُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِهَا ( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ) وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ( عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ نَذْرٍ ، وَهِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْمَنْذُورَ بِالْوَطْءِ ، قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ( وَقَالَ الْقَاضِي ) فِي " الْخِلَافِ " : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ( عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ ) ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ وَطْءٍ أَشْبَهَ الْمُظَاهِرَ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي نَذْرٍ ، وَقِيلَ : مُعَيَّنٍ ، فَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَتَانِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْرَمَ ، ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِلْوَطْءِ ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلنَّذْرِ ( وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ) عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَجْزُومِ بِهِ ، ثُمَّ الْأَكْثَرِ . وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَبْدُوسٍ ( وَإِلَّا فَلَا ) كَالصَّوْمِ ، فَإِذَا فَسَدَ خَرَجَ فِي الْكَفَّارَةِ الْخِلَافُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَالَ الْمَجْدُ : يَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ تَجِبُ بِالْإِنْزَالِ عَنْ وَطْءٍ لَا عَنْ لَمْسٍ وَقُبْلَةٍ ، وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي إِطْلَاقِ أَصْحَابِنَا ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ : لَا يَبْطُلُ كَالصَّوْمِ ، وَلَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بِلَا شَهْوَةٍ كَتَغْسِيلِ رَأَسِهِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا : تَحْرُمُ كَشَهْوَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ .
مَسْأَلَةٌ : يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْجِمَاعِ فِيهِ أَوْ فَوْقَهُ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " : وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ يَحْرُمُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
81 فَرْعٌ : إِذَا سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ ، فَسَدَ وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا ، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ، كَالْحَيْضِ ، وَلَا يَبْنِي ;لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ ، وَإِنِ ارْتَدَّ فِيهِ فَسَدَ كَالصَّوْمِ .
تَنْبِيهٌ : الْحَاجَةُ إِلَى الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَتِهِ ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ : يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ ، وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَامِدٍ الْيَسِيرَ كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ لَا كُلِّ أَكْلِهِ ، وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِي إِنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرِ وَنَحْوِهِمَا ، ( وَالطَّهَارَةُ ) كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقُدِّمَا عَلَى الِاعْتِكَافِ ; لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يُكْرَهُ وَضَوْءُهُ فِيهِ فَعَلَهُ بِلَا ضَرَرٍ ، وَكَذَا غُسْلُ جُمُعَةٍ إِنْ وَجَبَ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ ، ( وَالْجُمُعَةُ ) ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ ، وَلَهُ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ 75 وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " احْتِمَالٌ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَلَهُ إِطَالَةُ الْمَقَامِ بَعْدَهَا ، وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ لَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ عَكْسُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ : التَّبْكِيرُ أَرْجُو ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ . وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ . قَالَ : بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ ، وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي النُّذُورِ ، وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إِنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا ، ( وَالنَّفِيرُ الْمُتَعَيِّنُ ) ; لِأَنَّهُ ، وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ ، وَكَذَا إِنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ أَوْ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ ( وَالشَّهَادَةُ الْوَاجِبَةُ ) لِظَاهِرِ الْآيَاتِ . وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُهَا ، وَأَدَاؤُهَا خَرَجَ لَهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ ، ( وَالْخَوْفُ ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ ( مِنْ فِتْنَةٍ ) ; لِأَنَّهُ عُذِرَ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ( أَوْ مَرَضٍ ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِيهِ ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِنْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ ، وَإِلَّا فَلَا ( وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ ) ; لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ ، فَعَلَتْ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، فَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا وَلِهَذَا قِيلَ مَعَ سَلَامَةِ الزَّمَانِ فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْهُ فَأَتَتْ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ . وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ يُسَنُّ جُلُوسُهَا فِي الْمُحَوَّطَةِ ، وَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ فَأَيْنَ شَاءَتْ .
( وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ ) فِي مَنْزِلِهَا ، لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ ، وَلِآدَمِيٍّ 76 لَا يُسْتَدْرَكُ إِذَا تُرِكَ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ ( وَنَحْوُهُ ) كَمَا إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَةٍ ، وَدَفْنُ مَيِّتٍ وَنَحْوُهُ ، وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، كَمَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانٍ أَنْ يَأْخُذَهُ ظُلْمًا ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ ، بَطَلَ ، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ ، وَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا ، لَمْ يَبْطُلْ كَالصَّوْمِ ، وَفِي " الْخِلَافِ " وَ " الْفُصُولِ " تَبْطُلُ لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ كَالْجِمَاعِ .
( فَرْعٌ ) : إِذَا زَالَ رَجَعَ وَقْتَ إِمْكَانِهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ مَا مَضَى ، وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ تَحْتَ سَقْفِ خِلَافًا لِقَوْمٍ .
( وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعَرِّجُ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَرِيضِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَفِي مَعْنَاهُمَا كُلُّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ ، كَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا . وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْهُ بُدٌّ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرِيضَةٍ لِفَضِيلَةٍ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ ) ( فَيَجُوزُ ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُصَيِّرُهُ كَالْمُسْتَثْنِي . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعَ لِمَا سَبَقَ ، وَلَا فَرْقَ فِي الِاشْتِرَاطِ بَيْنَ مَا كَانَ قُرْبَةً كَزِيَارَةِ أَهْلِهِ وَعَالِمٍ ، وَبَيْنَ مَا كَانَ مُبَاحًا وَيَحْتَاجُهُ كَالْعَشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَالْمَبِيتِ فِيهِ . جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوَقْفِ ، وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا ، وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا ، وَعَنْهُ : الْمَنْعُ ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ ; لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ ، كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنُّزْهَةِ وَالْفُرْجَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الِاعْتِكَافَ بِخِلَافِ الْقُرْبَةِ . فَإِنْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّكَسُّبِ بِالصَّنْعَةِ لَمْ يَجُزْ . فَلَوْ قَالَ : مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ ، خَرَجْتُ ، فَلَهُ شَرْطُهُ كَالْإِحْرَامِ ، وَجَعَلَ الْمَجْدُ فَائِدَةَ الشَّرْطِ هُنَا سُقُوطَ 77 الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ ( وَعَنْهُ : لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ) نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَالْجُمُعَةَ ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ ، وَهُوَ قَائِمٌ . وَقَوْلُ ابْنِ الْمَنْجَا : إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ قَالَ أَحْمَدُ : عَاصِمٌ عِنْدِي حُجَّةٌ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَلَهُ تَرْكُهُ رَأْسًا ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ مُقَامُهُ عَلَى اعْتِكَافِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَّةِ ، وَالْمَرِيضُ فِيهِ ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوفُ ; لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِلِاعْتِكَافِ ، ( وَ ) لَهُ ( الدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ ) ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاعْتِكَافِ ، وَالْمَكَانُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ وَالتَّعْيِينِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى ، وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ ، أَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا .
( فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ ) عَنْ حَدَثٍ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجُمُعَةِ وَكَذَا لِلْحَيْضِ وَلِلنِّفَاسِ ، ( فَلَا شَيْءَ فِيهِ ) أَيْ : لَا قَضَاءَ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ كَالْمُسْتَثْنِي لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا ، وَلَا كَفَّارَةَ ، إِذْ لَوْ وَجَبَ فِيهِ شَيْءٌ ، لَامْتَنَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ مِنْهُ ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، وَلَمْ تَنْقَضِ بِهِ مُدَّتُهُ ، ( وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ ) كَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا : الْخُرُوجُ ( فِي ) الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ ( الْمُتَتَابِعِ ) غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ( وَتَطَاوَلَ ) أَيْ : زَمَنُهُ ( خُيِّرَ ) إِذَا زَالَ عُذْرُهُ ( بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ ) وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ 78 غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَشَرَعَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ ( وَإِتْمَامِهِ ) أَيْ : يَبْنِي ، وَيَقْضِي ( مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ) ; لِأَنَّهَا تَجْبُرُ مَا حَصَلَ مِنْ فَوَاتِ التَّتَابُعِ ، وَقَدْ نَبَّهَ الْخِرَقِيُّ عَلَى هَذَا فِي النَّذْرِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ : أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لَعُذْرٍ ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَشَهَادَةٍ وَجِهَادٍ مُتَعَيِّنَيْنِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَمُقْتَضَاهُ : أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا كَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ أَنَّهَا تَجِبُ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ خُرُوجًا غَيْرَ مُعْتَادٍ ، وَفِي " الْمُغْنِي " تَجِبُ الْكَفَّارَةَ إِلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ; لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَضَعَّفَهُمَا الْمَجْدُ : بِأَنَّا سَوَّيْنَا فِي نَذْرِ الصَّوْمِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ ، وَبِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا زَمَنَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي " : لَا يَقْضِي ، وَهُوَ أَظْهَرُ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَطَاوَلْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْضِي ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ ، كَمَا لَوْ طَالَتْ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْحَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ ، ( وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ ) كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، وَنَحْوِهِ ( قَضَى ) مَا تَرَكَ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ ، ( وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ ) أَحَدُهُمَا يُكَفِّرُ ، وَنَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي الْخُرُوجِ لِفِتْنَةٍ ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِيهَا ، وَالْخُرُوجِ لِنَفِيرٍ ، وَعِدَّةٍ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ ، إِذِ النَّذْرُ كَالْيَمِينِ ، وَالثَّانِي لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ . وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَكَرَمَضَانَ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِطْرَهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ . الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا مُطْلَقَةً فَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ التَّتَابُعُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، فَكَالْأُولَى ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ تَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ لِيَكُونَ مُتَتَابِعًا . وَقَالَ 79 الْمَجْدُ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ ، وَيُكَفِّرُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
( وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي الْمُتَتَابِعِ ) الْمَنْذُورِ ( لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ ) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا بِهِ أَشْبَهَ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ ، وَإِنْ قَلَّ كَالْجِمَاعِ ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا عَامِدًا فَلَا إِشْكَالَ ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا ، فَقَدْ سَبَقَ ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فِي الْمَنْصُوصِ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .
فَرْعٌ : إِذَا خَرَجَ فِي مُتَتَابِعٍ مُتَعَيِّنٍ ، كَنَذْرِهِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا اسْتَأْنَفَ كَالْقَسَمِ قَبْلَهُ وَيُكَفِّرُ .
( وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّتَابُعِ كَنَذْرِهِ اعْتِكَافَ رَجَبٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ بِلَا عُذْرٍ ، ( وَفِي الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ ) أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُهُ ، ذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ; لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ . وَالثَّانِي : يَبْنِي ; لِأَنَّ التَّتَابُعَ هُنَا حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَأَصْلُهُمَا : مَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ .
( فَرْعٌ ) : إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ لِتَرْكِهِ الْإِتْيَانَ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ( وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي الْفَرْجِ ) فَهُوَ حَرَامٌ لِلنَّصِّ ( فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ . رَوَاهُ حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَكَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَإِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ يَشْمَلُ الْعَمْدَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَكَالْحَجِّ ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي الصَّوْمِ عَدَمَ الْبُطْلَانِ مَعَ عَدَمِ النِّسْيَانِ ، وَقَالَ : 80 الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَبْنِي ( وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ) لِأَجْلِ الْوَطْءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، إِذِ الْوُجُوبُ مِنَ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ ، وَكَالصَّلَاةِ ، وَالثَّانِيَةُ : وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ كَرَمَضَانَ وَكَالْحَجِّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ( إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ ) كَذَا خَصَّ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ الْوُجُوبَ وَفِي " الْفُصُولِ " يَجِبُ فِي التَّطَوُّعِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَبَعْدَهَا الْمَجْدُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِهَا ( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ) وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ( عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ نَذْرٍ ، وَهِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْمَنْذُورَ بِالْوَطْءِ ، قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ( وَقَالَ الْقَاضِي ) فِي " الْخِلَافِ " : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ( عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ ) ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ وَطْءٍ أَشْبَهَ الْمُظَاهِرَ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي نَذْرٍ ، وَقِيلَ : مُعَيَّنٍ ، فَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَتَانِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْرَمَ ، ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِلْوَطْءِ ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلنَّذْرِ ( وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ) عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَجْزُومِ بِهِ ، ثُمَّ الْأَكْثَرِ . وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَبْدُوسٍ ( وَإِلَّا فَلَا ) كَالصَّوْمِ ، فَإِذَا فَسَدَ خَرَجَ فِي الْكَفَّارَةِ الْخِلَافُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَالَ الْمَجْدُ : يَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ تَجِبُ بِالْإِنْزَالِ عَنْ وَطْءٍ لَا عَنْ لَمْسٍ وَقُبْلَةٍ ، وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي إِطْلَاقِ أَصْحَابِنَا ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ : لَا يَبْطُلُ كَالصَّوْمِ ، وَلَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بِلَا شَهْوَةٍ كَتَغْسِيلِ رَأَسِهِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا : تَحْرُمُ كَشَهْوَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ .
مَسْأَلَةٌ : يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْجِمَاعِ فِيهِ أَوْ فَوْقَهُ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " : وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ يَحْرُمُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
81 فَرْعٌ : إِذَا سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ ، فَسَدَ وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا ، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ، كَالْحَيْضِ ، وَلَا يَبْنِي ;لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ ، وَإِنِ ارْتَدَّ فِيهِ فَسَدَ كَالصَّوْمِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث