المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
( وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ ) لِمَا سَبَقَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ ، وَكَالْبَذْلِ فِي الزَّكَاةِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مَا بُذِلَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ ، أَوِ الْمَالَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِنَّةِ كَبَذْلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : لَا يَمْلِكُ ، وَلَا يَجِبُ ، بِخِلَافِ الْحَجِّ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْبَاذِلِ أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا أَوْ قَرِيبًا حَتَّى الِابْنَ ( فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ ، وَيَأْتِي بِهِ ( عَلَى الْفَوْرِ ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ " ; يَعْنِي الْفَرِيضَةَ ، وَحَدِيثِ الْفَضْلِ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ ، وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ ، وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ كَالصِّيَامِ إِذْ لَوْ مَاتَ مَاتَ عَاصِيًا ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ ، وَقِيلَ : لَا ، وَقِيلَ : لَا فِي الشَّابِّ ، وَكَذَا الْخِلَافُ لَهُمْ فِي صَحِيحٍ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى زَمِنَ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يَجِبُ مُوَسَّعًا ، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ زَادَ الْمَجْدُ : مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ 95 وَتَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحَارِبٍ وَلَا مَشْغُولٍ بِشَيْءٍ ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ لَمْ يُسَمَّ قَضَاءً ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ الْمُوَسَّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ لِتَأْخِيرِهِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ ، وَيُسَمَّى قَضَاءً فِيهِ ، وَفِي الزَّكَاةِ ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهًا ، ثُمَّ بَطَلَ بِمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ ، وَإِذًا لَا يُسَمَّى قَضَاءً ، وَقِيلَ : إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُؤَخِّرْهُ ; لِأَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ عَشْرٍ ، وَالْأَشْهَرُ : سَنَةَ تِسْعٍ فَقِيلَ أَخَّرَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقِيلَ : لِرُؤْيَةِ الْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ عُرَاةً ، وَقِيلَ : بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ الزَّمَانُ فِيهَا كَهَيْئَتِهِ ، وَتَتَعَلَّمَ مِنْهُ أُمَّتُهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهَا ، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ ، وَيُقَالُ : اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أَعْيَادُ أَهْلِ كُلِّ دِينٍ ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلَهُ ، وَلَا بَعْدَهُ .
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ أَيْ : إِلَى الْحَجِّ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ كَزَمَانَةٍ ، وَنَحْوِهَا ( لَزِمَهُ ) عَلَى ( الْفَوْرِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ الْحَجُّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؛ قَالَ : حُجِّي عَنْهُ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَوْ كَانَ نَضْوَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَجَمَاعَةٌ عَدَمَ الْقُدْرَةِ ، وَيُسَمَّى : الْمَعْصُوبَ ; لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ ، وَشَرْطُهُ الِاسْتِطَاعَةُ ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّوْعِ بَلْ تَنُوبُ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ وَعَكْسُهُ ، وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي نِيَابَتِهَا 96 عَنْهُ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفَوَاتِ رَمَلٍ وَحَلْقٍ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ( مِنْ بَلَدِهِ ) أَوْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ ، كَالِاسْتِنَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ كَذَلِكَ فَكَذَا النَّائِمُ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ ، وَافِيًا بِنَفَقَةِ رَاكِبٍ فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةَ رَاجِلٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي إِمْكَانِ الْمَسِيرِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ ؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْقُطُ ، وَعَلَى الثَّانِي : يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، ( وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ ) أَيْ : عَنِ الْمَعْضُوبِ ، ( وَإِنْ عُوفِيَ ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أُتِيَ بِمَا أَمَرَ بِهِ فَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ ، وَسَوَاءٌ عُوفِيَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا ، وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْبُرْءُ قَبْلَ إِحْرَامِ النَّائِبِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا ;لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَرْجُوَّ بُرْؤُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ كَالْمَحْبُوسِ .
( وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ ) أَيْ : إِلَى الْوَاجِبِ مِنَ الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ ( لَزِمَهُ ذَلِكَ ) ; لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ ، كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ ( إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ ) أَيْ : يَكُونُ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَسِيرُ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ ( وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا ) ; لِأَنَّ فِي الْمَلْزُومِ بِدُونِهِ ضَرَرًا ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا ، أَوْ بَعِيدًا ، وَلَوْ غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا غَالِبُهُ السَّلَامَةُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ 97 إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَشْبَهَ الْبَرَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَالِبٌ فَخِلَافٌ ، وَخَرَّجَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ ، وَالْكَتَّانُ ، أَمَّا إِذَا غَلَبَ الْهَلَاكُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا فِي الْبَحْرِ ( لَا خِفَارَةَ فِيهِ ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ يَسِيرَةً ، ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ ; لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ ، ( وَيُوجَدُ فِيهِ ) أَيْ : فِي الطَّرِيقِ ( الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ ) أَيْ : يَجِدُ ذَلِكَ فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ حَمْلَ مَائِهِ ، وَعَلَفِ بَهَائِمِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ لَأَدَّى إِلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْإِمْكَانِ ، بِخِلَافِ زَادِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ .
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ ، وَحَمْلُ الْكَلَأِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ ( وَعَنْهُ : أَنَّ إِمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ ) مِنْ عُذْرٍ ( مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، وَلِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْحَجِّ مَعَهُ ; لِعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَظَهَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ وَسِعَةَ الْوَقْتِ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَلِأَنَّ إِمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْعِبَادَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ .
فَعَلَى هَذَا : هَلْ يَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ ؛ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ .
( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إِنْ كَانَتِ الْخِفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا ) ; لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ 98 يَقِفُ إِمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا ، فَلَمْ يُمْنَعِ الْوُجُوبُ مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِهَا كَثَمَنِ الْمَاءِ ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَنْهُ بِالْيَسِيرَةِ ، وَجَوَّزَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنِ الْمُخْفَرِ ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنَ الرَّعَايَا ( وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ ) وَجَبَ قَضَاؤُهُ ، ( وَأُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ ) وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ : نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ؛ اقْضُوا اللَّهَ ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَالدَّيْنِ ، وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ لَا . وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ ، وَأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِ نَفْسِهِ ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ كَالصَّلَاةِ ، وَيُسْتَنَابُ مِنْ أَقْرَبِ ، وَطَنِهِ لِيَتَخَيَّرَ الْمَنُوبَ عَنْهُ ، فَإِنْ لَزِمَهُ بِخُرَاسَانَ فَمَاتَ بِبَغْدَادَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَقَالَ : أَحْمَدُ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْمَكَانَيْنِ ، وَيُجْزِئُ دُونَ الْوَاجِبِ إِذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ; لِأَنَّهُ كَحَاضِرٍ ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّهُ أَكْمَلَ الْوَاجِبَ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُهُ كَمَنْ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتٍ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُ بِحَجٍّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ وَجَبَ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، فَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ فِيمَا بَقِيَ نَصَّ عَلَيْهِ ، مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا ، وَإِنْ صُدَّ فَعَلَ مَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ ( فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ ) بِأَنْ لَمْ يُخْلِفْ مَا يَكْفِي الْحَجَّ مِنْ بَلَدِهِ ( أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ) وَتَزَاحَمُوا ( أَخَذَ الْحَجُّ بِحِصَّتِهِ ) كَمَا لَوْ خَلَّفَ مِائَةً ، وَعَلَيْهِ 99 مِثْلُهَا ، وَالْحَجُّ يَكْفِيهِ مِائَةٌ فَيَطْلُعُ لَهُ خَمْسُونَ ، ( وَحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَعَنْهُ : يَسْقُطُ الْحَجُّ عُيِّنَ فَاعِلُهُ أَمْ لَا ، وَعَنْهُ : يُقَدَّمُ الدَّيْنُ لِتَأَكُّدِهِ .
مَسْأَلَةٌ : إِذَا أَوْصَى بِحَجٍّ نَفْلٍ أَوْ أُطْلِقَ جَازَ مِنَ الْمِيقَاتِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ قَرِينَةٌ ، وَقِيلَ : مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ كَحَجٍّ وَاجِبٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهُ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ حَجَّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الْمُتَطَوِّعُ مَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَانَ .
أَصْلٌ : يَلْزَمُ الْأَعْمَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَالْبَصِيرِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ قَائِدٌ كَبَصِيرٍ يَجْهَلُ الطَّرِيقَ ، وَهُوَ كَالْمُحْرِمِ ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يُشْتَرَطُ لِلْأَدَاءِ قَائِدٌ يُلَائِمُهُ أَيْ : يُوَافِقُهُ ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَقِيلَ : وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ ، فَلَوْ تَبَرَّعَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِلْمِنَّةِ .
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ أَيْ : إِلَى الْحَجِّ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ كَزَمَانَةٍ ، وَنَحْوِهَا ( لَزِمَهُ ) عَلَى ( الْفَوْرِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ الْحَجُّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؛ قَالَ : حُجِّي عَنْهُ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَوْ كَانَ نَضْوَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَجَمَاعَةٌ عَدَمَ الْقُدْرَةِ ، وَيُسَمَّى : الْمَعْصُوبَ ; لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ ، وَشَرْطُهُ الِاسْتِطَاعَةُ ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّوْعِ بَلْ تَنُوبُ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ وَعَكْسُهُ ، وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي نِيَابَتِهَا 96 عَنْهُ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفَوَاتِ رَمَلٍ وَحَلْقٍ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ( مِنْ بَلَدِهِ ) أَوْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ ، كَالِاسْتِنَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ كَذَلِكَ فَكَذَا النَّائِمُ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ ، وَافِيًا بِنَفَقَةِ رَاكِبٍ فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةَ رَاجِلٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي إِمْكَانِ الْمَسِيرِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ ؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْقُطُ ، وَعَلَى الثَّانِي : يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، ( وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ ) أَيْ : عَنِ الْمَعْضُوبِ ، ( وَإِنْ عُوفِيَ ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أُتِيَ بِمَا أَمَرَ بِهِ فَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ ، وَسَوَاءٌ عُوفِيَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا ، وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْبُرْءُ قَبْلَ إِحْرَامِ النَّائِبِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا ;لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَرْجُوَّ بُرْؤُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ كَالْمَحْبُوسِ .
( وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ ) أَيْ : إِلَى الْوَاجِبِ مِنَ الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ ( لَزِمَهُ ذَلِكَ ) ; لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ ، كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ ( إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ ) أَيْ : يَكُونُ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَسِيرُ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ ( وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا ) ; لِأَنَّ فِي الْمَلْزُومِ بِدُونِهِ ضَرَرًا ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا ، أَوْ بَعِيدًا ، وَلَوْ غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا غَالِبُهُ السَّلَامَةُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ 97 إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَشْبَهَ الْبَرَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَالِبٌ فَخِلَافٌ ، وَخَرَّجَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ ، وَالْكَتَّانُ ، أَمَّا إِذَا غَلَبَ الْهَلَاكُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا فِي الْبَحْرِ ( لَا خِفَارَةَ فِيهِ ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ يَسِيرَةً ، ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ ; لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ ، ( وَيُوجَدُ فِيهِ ) أَيْ : فِي الطَّرِيقِ ( الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ ) أَيْ : يَجِدُ ذَلِكَ فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ حَمْلَ مَائِهِ ، وَعَلَفِ بَهَائِمِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ لَأَدَّى إِلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْإِمْكَانِ ، بِخِلَافِ زَادِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ .
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ ، وَحَمْلُ الْكَلَأِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ ( وَعَنْهُ : أَنَّ إِمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ ) مِنْ عُذْرٍ ( مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، وَلِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْحَجِّ مَعَهُ ; لِعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَظَهَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ وَسِعَةَ الْوَقْتِ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَلِأَنَّ إِمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْعِبَادَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ .
فَعَلَى هَذَا : هَلْ يَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ ؛ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ .
( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إِنْ كَانَتِ الْخِفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا ) ; لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ 98 يَقِفُ إِمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا ، فَلَمْ يُمْنَعِ الْوُجُوبُ مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِهَا كَثَمَنِ الْمَاءِ ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَنْهُ بِالْيَسِيرَةِ ، وَجَوَّزَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنِ الْمُخْفَرِ ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنَ الرَّعَايَا ( وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ ) وَجَبَ قَضَاؤُهُ ، ( وَأُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ ) وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ : نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ؛ اقْضُوا اللَّهَ ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَالدَّيْنِ ، وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ لَا . وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ ، وَأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِ نَفْسِهِ ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ كَالصَّلَاةِ ، وَيُسْتَنَابُ مِنْ أَقْرَبِ ، وَطَنِهِ لِيَتَخَيَّرَ الْمَنُوبَ عَنْهُ ، فَإِنْ لَزِمَهُ بِخُرَاسَانَ فَمَاتَ بِبَغْدَادَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَقَالَ : أَحْمَدُ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْمَكَانَيْنِ ، وَيُجْزِئُ دُونَ الْوَاجِبِ إِذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ; لِأَنَّهُ كَحَاضِرٍ ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّهُ أَكْمَلَ الْوَاجِبَ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُهُ كَمَنْ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتٍ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُ بِحَجٍّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ وَجَبَ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، فَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ فِيمَا بَقِيَ نَصَّ عَلَيْهِ ، مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا ، وَإِنْ صُدَّ فَعَلَ مَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ ( فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ ) بِأَنْ لَمْ يُخْلِفْ مَا يَكْفِي الْحَجَّ مِنْ بَلَدِهِ ( أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ) وَتَزَاحَمُوا ( أَخَذَ الْحَجُّ بِحِصَّتِهِ ) كَمَا لَوْ خَلَّفَ مِائَةً ، وَعَلَيْهِ 99 مِثْلُهَا ، وَالْحَجُّ يَكْفِيهِ مِائَةٌ فَيَطْلُعُ لَهُ خَمْسُونَ ، ( وَحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَعَنْهُ : يَسْقُطُ الْحَجُّ عُيِّنَ فَاعِلُهُ أَمْ لَا ، وَعَنْهُ : يُقَدَّمُ الدَّيْنُ لِتَأَكُّدِهِ .
مَسْأَلَةٌ : إِذَا أَوْصَى بِحَجٍّ نَفْلٍ أَوْ أُطْلِقَ جَازَ مِنَ الْمِيقَاتِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ قَرِينَةٌ ، وَقِيلَ : مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ كَحَجٍّ وَاجِبٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهُ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ حَجَّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الْمُتَطَوِّعُ مَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَانَ .
أَصْلٌ : يَلْزَمُ الْأَعْمَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَالْبَصِيرِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ قَائِدٌ كَبَصِيرٍ يَجْهَلُ الطَّرِيقَ ، وَهُوَ كَالْمُحْرِمِ ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يُشْتَرَطُ لِلْأَدَاءِ قَائِدٌ يُلَائِمُهُ أَيْ : يُوَافِقُهُ ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَقِيلَ : وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ ، فَلَوْ تَبَرَّعَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِلْمِنَّةِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث