المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 990 · ص. المطبوع 100 · الشرح
فَصْلٌ ( وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ۝ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ : رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا ، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ ، فَقَالَ : اخْرُجْ مَعَهَا . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ۝ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِمُسْلِمٍ ۝ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا ، وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا " وَهَذَا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَاصٌّ ، وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ ، وَالزِّيَارَةِ 100 وَالتِّجَارَةِ . وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجُوزِ ، وَالشَّابَّةِ ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ ، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ ، وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : لَا يَحِلُّ سَفَرُهَا إِلَّا لِمَحْرَمٍ قَالَ : إِذَا صَارَ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ أَوْ تِسْعٌ . قُلْتُ : هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ ، وَعَنْهُ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ ، وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ مَعَ كُلِّ مَنْ أَمِنَتْهُ ، وَعَنْهُ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يُخْشَى مِنْهُنَّ ، وَلَا عَلَيْهِنَّ فِتْنَةٌ ، وَعَنْهُ : لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : تَحُجُّ كُلُّ امْرَأَةٍ آمِنَةً مَعَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ ، وَقَالَ : هَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَسُؤَالِهِمْ فَخَرَجَتْ جَوَابًا . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمُ اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِإِمَاءِ الْمَرْأَةِ ، وَعُتَقَائِهَا ، لَكِنْ قَالَ : الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِمَاءُ الْمَرْأَةِ يُسَافِرْنَ مَعَهَا ، وَلَا يَفْتَقِرْنَ إِلَى مَحْرَمٍ ; لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ ، وَأَمَّا عُتَقَاؤُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُنَّ كَالْإِمَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَحْرَمٌ ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَمَلَكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ ، ( وَهُوَ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ۝ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ أَنْ ] تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَأُطْلِقَ عَلَى الزَّوْجِ مَحْرَمًا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سَفَرِ الْمَحْرَمِ مَعَهَا صِيَانَتُهَا ، وَحِفْظُهَا مَعَ الْخَلْوَةِ ، وَالنَّظَرِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ ( بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ ) كَرَضَاعٍ ، وَمُصَاهَرَةٍ ، وَوَطْءٍ مُبَاحٍ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَدَخَلَ فِيهِ رَابُّهَا ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهَا ، وَرَبِيبُهَا ، وَهُوَ 101 ابْنُ زَوْجِهَا ، نَصَّ عَلَيْهِمَا ، وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّانِي ، وَالْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُمِّ الْمَوْطُوءَةِ ، وَابْنَتِهَا ; لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُبَاحٍ قَالَ : فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَالتَّحْرِيمِ بِاللِّعَانِ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " الْمَحْرَمِيَّةُ نِعْمَةٌ فَاعْتُبِرَ إِبَاحَةُ سَبَبِهَا كَسَائِرِ الرُّخَصِ ، وَعَنْهُ : بَلَى ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْفُصُولِ " فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَا الزِّنَا ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى ، وَمُرَادُهُمْ بِالشُّبْهَةِ الْوَطْءُ الْحَرَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ . ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ فَيَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ الْمُلَاعَنَةُ فَيُزَادُ فِيهِ سَبَبٌ مُبَاحٌ لِحُرْمَتِهَا ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْآدَمِيِّ " فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ ، وَتَغْلِيظٌ لَا لِحُرْمَتِهَا ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَائِهِنَّ لِانْقِطَاعِ حُكْمِهِنَّ ، وَظَهَرَ أَنَّ زَوْجَ الْأُخْتِ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُخْتِهَا ; لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لَيْسَ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ ; لِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ أَبَدًا ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ الْمَحْرَمِيَّةُ ، وَعَنْهُ : هُوَ مَحْرَمٌ ، وَذَكَرَ فِي " شَرْحِ الْمَذْهَبِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَذِي مَحْرَمِهَا ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ ، وَبِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ( إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا ) ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا يَقُومَانِ بِأَنْفُسِهِمَا ، فَكَيْفَ يَخْرُجَانِ مَعَ غَيْرِهِمَا ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْرَمِ حِفْظُ الْمَرْأَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِي " الْفُرُوعِ " : ذَكَرًا وَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ ، وَكَالْمَجُوسِ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مِثْلَهُ مُسْلِمٌ لَا يُؤْمَنُ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إِسْلَامُهُ إِنْ أُمِّرَ عَلَيْهَا ، وَكَوْنُهُ بَاذِلًا لِلْخُرُوجِ مَعَهَا وَلَوْ عَبْدًا وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهُمَا ، وَلَوْ بَذَلَتِ النَّفَقَةَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا 102 وَكَانَتْ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا إِلَّا الْعَبْدَ إِذَا قُلْنَا : بِأَنَّهُ مَحْرَمٌ فَيَلْزَمُهُ السَّفَرُ مَعَهَا ، وَعَنْهُ : يَلْزَمُهُ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الزَّوْجَ بِالسَّفَرِ مَعَهَا .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ فَإِنْ أَرَادَ أَجْرَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهَا ، وَيَتَوَجَّهُ كَنَفَقَتِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّغْرِيبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ لَمْ يَلْزَمْهَا لِلْمِنَّةِ ، ( وَعَنْهُ : أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ ) كَإِمْكَانِ الْمَسِيرِ ، وَتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ ، وَلِوُجُودِ السَّبَبِ فَهُوَ كَسَلَامَتِهَا مِنْ مَرَضٍ ، فَعَلَى هَذَا يَحُجُّ عَنْهَا كَمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تُوصِيَ بِهِ . وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ : أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ دُونَ أَمْنِ الطَّرِيقِ ، وَسِعَةِ الْوَقْتِ ، وَقَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ ، وَشَرْطُهَا فِي " الْهِدَايَةِ " لِلْوُجُوبِ قَالَ الْمَجْدُ : وَالتَّفْرِقَةُ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَيْنِ مُشْكِلَةٌ ، وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِمَّا نَفْيًا ، وَإِمَّا إِثْبَاتًا .
فَرْعٌ : إِذَا حَجَّتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ ، وَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ ، وَيَصِحُّ مِنْ مَعْضُوبٍ ، وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوَّلًا ، وَتَاجِرٍ وَلَا إِثْمَ ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث