بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
الصفحة 387 · ص. المطبوع 354
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَنْوَاعِ الضَّحَايَا وَصِفَاتِهَا وَأَسْنَانِهَا وَعَدَدِهَا
وَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٌ :
إِحْدَاهَا : فِي تَمْيِيزِ الْجِنْسِ .
وَالثَّانِيَةُ : فِي تَمْيِيزِ الصِّفَاتِ .
وَالثَّالِثَةُ : فِي مَعْرِفَةِ السِّنِّ .
وَالرَّابِعَةُ : فِي الْعَدَدِ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
[ فِي تَمْيِيزِ الْجِنْسِ ]
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الضَّحَايَا مِنْ جَمِيعِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الضَّحَايَا الْكِبَاشُ ، ثُمَّ الْبَقَرُ ، ثُمَّ الْإِبِلُ ، بِعَكْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُ فِي الْهَدَايَا . وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ : الْإِبِلُ ، ثُمَّ الْبَقَرُ ، ثُمَّ الْكِبَاشُ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى عَكْسِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الضَّحَايَا : الْإِبِلُ ، ثُمَّ الْبَقَرُ ، ثُمَّ الْكِبَاشُ ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ ، وَابْنُ شَعْبَانَ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِدَلِيلِ الْفِعْلِ ، وَذَلِكَ ۝ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ ضَحَّى إِلَّا بِكَبْشٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْكِبَاشَ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ ، وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى " .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ : فَلِأَنَّ الضَّحَايَا قُرْبَةٌ بِحَيَوَانٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ فِيهَا الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ۝ " مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا " الْحَدِيثَ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ حَمْلَ هَذَا عَلَى جَمِيعِ الْقُرَبِ بِالْحَيَوَانِ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَحَمَلَهُ عَلَى الْهَدَايَا فَقَطْ ، لِئَلَّا يُعَارِضَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ وَهُوَ الْأَوْلَى .
354 وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِاخْتِلَافِهِمْ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ : هَلِ الذِّبْحُ الْعَظِيمُ الَّذِي فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ سُنَّةٌ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ ، وَإِنَّهَا الْأُضْحِيَّةُ ، وَإِنَّ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ) . فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَالَ : الْكِبَاشُ أَفْضَلُ ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَتْ سُنَّةً بَاقِيَةً لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِبَاشَ أَفْضَلُ . مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الضَّحِيَّةُ بِغَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ : تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِبَقَرَةِ الْوَحْشِ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالظَّبْيِ عَنْ وَاحِدٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث