بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
الصفحة 788 · ص. المطبوع 778
الْبَابُ الْخَامِسُ
[ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ ]
وَأَمَّا كَيْفَ يَقْضِي الْقَاضِي ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ 778 وَأَلَّا يَسْمَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِالْمُدَّعِي فَيَسْأَلَهُ الْبَيِّنَةَ إِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ قَتْلٍ وَجَبَتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ شَاهِدٍ .
وَإِذَا كَانَ فِي الْمَالِ فَهَلْ يُحَلِّفُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ الدَّعْوَى أَمْ لَا يُحَلِّفُهُ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُدَّعِي الْخُلْطَةَ ؟ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : الْيَمِينُ تَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ الدَّعْوَى لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " ۝ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَجِبُ الْيَمِينُ إِلَّا بِالْمُخَالَطَةِ ، وَقَالَ بِهَا السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ .
وَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِهَا النَّظَرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ لِكَيْلَا يَتَطَرَّقَ النَّاسُ بِالدَّعَاوِي إِلَى تَعْنِيتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَإِذَايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَمِنْ هُنَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ إِحْلَافَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا إِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا شَاهِدٌ ، وَكَذَلِكَ إِحْلَافُ الْعَبْدِ سَيِّدَهُ فِي دَعْوَى الْعِتْقِ عَلَيْهِ .
وَالدَّعْوَى لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ :
فَإِنْ كَانَتِ الذِّمَّةُ فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَرَاءَةَ مِنْ تِلْكَ الدَّعْوَى وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً سُمِعَتْ مِنْهُ بَيِّنَتُهُ بِاتِّفَاقٍ .
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ اخْتِلَافٌ فِي عَقْدٍ وَقَعَ فِي عَيْنٍ مِثْلِ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي عَيْنٍ ( وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى اسْتِحْقَاقًا ) ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي النِّكَاحِ وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا تُسْمَعُ فِي شَيْءٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : تُسْمَعُ ( أَعْنِي : فِي أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَالٌ لَهُ وَمِلْكٌ ) . فَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ لَا تُسْمَعُ ، أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ فِي حَيِّزِ الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ فِي حَيِّزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَلِبَ الْأَمْرُ ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا عِبَادَةً .
وَسَبَبُ الْخِلَافِ : هَلْ تُفِيدُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى كَوْنِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ مَوْجُودًا بِيَدِهِ ، أَمْ لَيْسَتْ تُفِيدُ ذَلِكَ ؟ فَمَنْ قَالَ : لَا تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا ، قَالَ : لَا مَعْنَى لَهَا ، وَمَنْ قَالَ : تُفِيدُ اعْتَبَرَهَا .
فَإِذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَمْ تُثْبِتْ إِحْدَاهُمَا أَمْرًا زَائِدًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ فِي مِلْكِ ذِي الْمِلْكِ ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَقْضِيَ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَا يَعْتَبِرَ الْأَكْثَرَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي أَوْلَى عَلَى أَصْلِهِ وَلَا تَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ بِالْعَدَالَةِ كَمَا لَا تَتَرَجَّحُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْعَدَدِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَتَرَجَّحُ بِالْعَدَدِ وَإِذَا تَسَاوَتْ فِي الْعَدَالَةِ فَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ كَالْبَيِّنَةِ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَوَجَبَ الْحَقُّ ; لِأَنَّ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَاهِدَةٌ لَهُ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ دَلِيلَهُ أَضْعَفَ الدَّلِيلَيْنِ ( أَعْنِي : الْيَمِينَ ) .
وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ عَيْنًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى مُدَّعِيهِ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ الْمُقِرَّ غُرْمَهُ فَإِنِ ادَّعَى الْعُدْمَ حَبَسَهُ الْقَاضِي عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ إِمَّا بِطُولِ السِّجْنِ أَوَبِالْبِينَةِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فَإِذَا لَاحَ عُسْرُهُ خَلَّى سَبِيلَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) وَقَالَ قَوْمٌ : يُؤَاجِرُهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَدُورُوا مَعَهُ حَيْثُ دَارَ .
779 وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا جَرَحَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ يَسْقُطُ إِذَا كَانَ التَّجْرِيحُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْتَقِضْ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْتَقِضُ .
وَأَمَّا إِنْ رَجَعَتِ الْبَيِّنَةُ عَنِ الشَّهَادَةِ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ .
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : يَثْبُتُ .
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَقَالَ مَالِكٌ : يَثْبُتُ الْحُكْمُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ .
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا بِشَهَادَتِهِمْ .
فَإِنْ كَانَ مَالًا ضَمِنُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يَضْمَنُونَ فِي الْغَلَطِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَضْمَنُونَ الْمَالَ .
وَإِنْ كَانَ دَمًا فَإِنِ ادَّعَوُا الْغَلَطَ ضَمِنُوا الدِّيَةَ ، وَإِنْ أَقَرُّوا أُقِيدَ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ ، وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث