مكتبة الحرف
hadith#8795802 مرّات الورود
سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ : لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَزْوَةٍ ; حَتَّى كَانَتْ تَبُوكُ ، إِلَّا بَدْرًا . وَمَا أُحِبُّ أَنِّي شَهِدْتُهَا ، وَفَاتَتْنِي بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعُقْبَةَ وَقَلَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا . فَأَرَادَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ يَتَأَهَّبَ النَّاسُ أُهْبَةً وَكُنْتُ أَيْسَرَ مَا كُنْتُ ، وَأَنَا فِي ذَلِكَ أَصَغُو إِلَى الظِّلَالِ وَطَيِّبِ الثِّمَارِ ; فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ . فَقُلْتُ : أَنْطَلِقُ غَدًا ، فَأَشْتَرِيَ جِهَازِي ، ثُمَّ أَلْحَقُ بِهِمْ . فَانْطَلَقْتُ إِلَى السُّوقِ ، فَعُسِرَ عَلَيَّ ، فَرَجَعْتُ ، فَقُلْتُ : أَرْجِعُ غَدًا . فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى الْتَبَسَ بِي الذَّنْبُ ، وَتَخَلَّيْتُ ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ ، فَيُحْزِنُنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ أَوْ ضَعِيفًا . وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا . وَلِمَا بَلَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَبُوكَ ، ذَكَرَنِي ، وَقَالَ : مَا فَعَلَ كَعْبٌ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي : خَلَّفَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ . فَقَالَ مُعَاذٌ : بِئْسَ مَا قُلْتَ ! وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا . إِلَى أَنْ قَالَ : فَلَمَّا رَآنِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ، وَقَالَ : أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَمَا خَلَّفَكَ ؟ قُلْتُ : وَاللَّهِ لَوْ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ غَيْرَكَ جَلَسْتُ ، لَخَرَجْتُ مِنْ سُخْطِهِ عَلَيَّ بِعُذْرٍ ، لَقَدْ أُوتِيتُ جَدَلًا ; وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنِّي أُخْبِرُكَ الْيَوْمَ بِقَوْلٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ وَهُوَ حَقٌّ ; فَإِنِّي أَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ . إِلَى أَنْ قَالَ : وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَيْسَرَ وَلَا أَخَفَّ حَاذًا مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ صَدَقَكُمْ ، قُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ ، فَقُمْتُ . إِلَى أَنْ قَالَ : وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ . فَجَعَلْتُ أَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ ، وَتَنَكَّرَ لَنَا النَّاسُ ، حَتَّى مَا هُمْ بِالَّذِينِ نَعْرِفُ ، وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الْحِيطَانُ وَالْأَرْضُ . وَكُنْتُ أَطُوفُ ، وَآتِي الْمَسْجِدَ ، فَأَدْخُلُ ، وَآتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، فَأَقُولُ : هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالسَّلَامِ! وَاسْتَكَانَ صَاحِبَايَ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يُطْلِعَانِ رُءُوسَهُمَا ، فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ فِي السُّوقِ إِذَا بِنَصْرَانِيٍّ جَاءَ بِطَعَامٍ ، يَقُولُ : مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبٍ ؟ فَدَلُّوهُ عَلَيَّ ، فَأَتَانِي بِصَحِيفَةٍ مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ . فَإِذَا فِيهَا : أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَأَقْصَاكَ ; وَلَسْتَ بِدَارٍ مُضَيَّعَةٍ وَلَا هَوَانَ ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ . فَسَجَّرْتُ لَهَا التَّنُّورَ ، وَأَحْرَقْتُهَا . إِلَى أَنْ قَالَ : إِذْ سَمِعْتُ نِدَاءً مِنْ ذُرْوَةِ سَلَعٍ أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ . فَخَرَرْتُ سَاجِدًا . ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ يُبَشِّرُنِي ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ فَرَسِهِ ، فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيَّ بِشَارَةً ، وَلَبَسْتُ غَيْرُهُمَا . وَنَزَلَتْ تَوْبَتُنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُلْثَ اللَّيْلِ . فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَلَا نُبَشِّرُ كَعْبًا ؟ قَالَ : إِذَا يُحَطِّمُكُمُ النَّاسُ ، وَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ . قَالَ : فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ الْقَمَرِ ، فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ . ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الْآيَاتَ . وَفِينَا نَزَلَتْ أَيْضًا : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ . فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَلَّا أُحْدِثَ إِلَّا صِدْقًا ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي
مذكور في
سير أعلام النبلاء · p241