1237 · ص250 · ج3
ارتجت له المحلة المرابطية، وأمر تاشفين جنده بأن يلزموا أماكنهم خيفة الكمين.
وعند الظهر سار الموحدون إلى عين الماء التي يشرب منها أهل وهران، فسقوا دوابهم دفعة واحدة، ثم قاد الشيخ أبو حفص قواته، واقتحم المحلة المرابطية، حتى أشرف على مكان خباء تاشفين، وكان موقعه بإزاء الحصن المطل على البحر، فوقع الاضطراب في المعسكر المرابطي، وبارد تاشفين وخاصته ومنهم ابن مزدلي، وبشير الرومي، وصندل الفتى، إلى الالتجاء إلى الحصن، ووقع القتل بين المرابطين، وجمع الموحدون الخشب، وأضرموا النار حول الحصن، وما كاد الظلام يرخي سدوله، حتى كانت ألسنة اللهب قد تعالت، فخشي تاشفين الهلاك، وخرج من الحصن فوق فرسه " ريحانة " يطلب النجاة ويرجو أن تصل إليه بعض قطع أسطوله لتحمله إلى الأندلس، وكان معه صحبه الثلاثة، فسقط صندل في النار واحترق، واستطاع ابن مزدلي أن يجوز إلى أسوار المدينة، ولكنه فقد رشده ومات بعد ثلاثة أيام. وسار تاشفين وبشير إلى مرتفعات الجبل، فقيض لبشير النجاة، ولكن تاشفين، تردت به فرسه تحت جنح الظلام، فسقطت في هوة سحيقة فهلكت الفرس، وهلك تاشفين. وفي الصباح عثر الموحدون على جثة تاشفين في تلك الحافة فصلبوا الجثة، واحتزوا رأسه، وبعث بها عبد المؤمن إلى تينملل، فعلقت في الشجرة التي بإزاء مسجد المهدي.
وكان مصرع تاشفين في ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة ٥٣٩ هـ (٢٢ فبراير ١١٤٥ م) (١)، وذلك بعد أن قضى في مدافعة الموحدين زهاء خمسة أعوام متوالية، لم يأو فيها إلى مكان. ولم ينعم بهدنة، ولم يتصل بأهل ولا ولد (٢).
وقد أورد لنا ابن الأبار عن مصرع تاشفين رواية أخرى عن أبى علي بن الأشيرى، وقد كان داخل تلمسان حين نزل الموحدون على مقربة منها في سنة ٥٣٩ هـ، وكان تاشفين عندئذ في ظاهرها في محلاته وجموعه. وخلاصة هذه الرواية، أن تاشفين بعد أن وجه ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش خوفاً عليه في شعبان من تلك السنة، وسير معه كاتبه أبو جعفر بن عطية، سار إلى وهران، ولجأ إلى حصن شرع في بنيانه، فقصده الموحدون، وأضرموا النار حوله،
(١) البيان المغرب، القسم الثالث ص ١٦ و ١٧، وأخبار المهدي ابن تومرت ص ٩٨، والحلل الموشية ص ١٠٠، وابن خلدون ج ٦ ص ٢٣١، وابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة ١٩٥٦) ج ١ ص ٤٦٢.
(٢) ابن الأبار في الحلة السيراء ص ١٩٨.
1238 · ص250 · ج4
مسيره إلى رباط الفتح ثم إلى مراكش. نظره في الأعمال السلطانية ومراجعته لأعمال العمال. وفاة السيد أبي الربيع والي بجاية. تعيين السيد أبي عمران موسى والياً لتلمسان. عود يحيى الميورقي إلى الحركة. تحول بعض طوائف العرب عن محالفته إلى الموحدين. مسير يحيى إلى الشمال. خروج الشيخ أبي محمد إلى لقائه. معركة تبيشة. هزيمة الميورقي وفراره. جمعه لقواته ومسيره غرباً صوب واحات سجلماسة. اقتحامه لسجلماسة ونهبها. اهتمام الموحدين في إفريقية ومراكش. عوده صوب تلمسان. مفاجأته لواليها
السيد أبي عمران وقواته. هزيمة الموحدين ومصرع السيد وصحبه. اقتحام الميورقي لمدينة تاهرت. عيث الميورقي في أحواز تلمسان. إنجاد المدينة وتأمينها. مسير حملة جديدة لمقاتلة الميورقي. ارتداده صوب طرابلس. عوده إلى الحركة. تضخم جيشه بالعرب والأغزاز. خروج الشيخ أبي محمد ْلقتاله. مسيره نحو جبل نفوسة. اشتباك الفريقين. هزيمة الميارقة وحلفائهم. مقتل أشياخ العرب. فرار يحيى وفله. عود القائد الظافر أبي محمد. كتابه إلى الخليفة بالفتح. معالجة الشيخ أبي محمد لشئون إفريقية. فضله في إخماد ثورة بني غانية. توطيده لسلطان الموحدين في إفريقية. التجاء سير أخي يحيى إلى الشيخ أبي محمد. أعمال الناصر وتعييناته للولاة والكتاب والقضاة. بعض حوادث المغرب في تلك الفترة. حريق مراكش. وفد المسلمين الصقليين إلى تونس. أحوال مسلمى صقلية منذ افتتاح النصارى للجزيرة. أقوال الرحالة ابن جبير عن ذلك.
لما توفي الخليفة يعقوب المنصور، في ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٩٥ هـ (٢٢ يناير سنة ١١٩٩ م)، خلفه في صباح اليوم التالي ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالناصر لدين الله، وأخذت له البيعة العامة بعد ذلك بأسبوع في نهاية شهر ربيع الأول. ولم يعارضه أحد من الإخوة ولا العمومة. وكان المنصور قد اختاره لولاية عهده، وعقد له البيعة بذلك في أواخر سنة ٥٨٧ هـ، حينما دهمه المرض الشديد، عقب عوده إلى المغرب، من جوازه الأول إلى الأندلس. ثم أخذت له البيعة بعد ذلك في سائر أقطار المغرب والأندلس. وكان الخليفة الجديد حين جلوسه، في نحو السابعة عشر من عمره، إذ كان مولده في أواخر سنة ٥٧٦ هـ. ويقول لنا المراكشي إن أمه أم ولد رومية تدعى زهر. ولكن صاحب روض القرطاس، يقول إن أمه بالعكس كانت حرة اسمها أمّة الله، وأنها ابنة السيد أبي إسحق بن عبد المؤمن (١). وتولى الوزارة للخليفة الجديد، وزير أبيه أبو زيد عبد الرحمن بن موسى ابن يوجان، وهو ابن أخي الشيخ أبي حفص (٢)، وتولى مهمة الاستشارة والتوجيه، الشيخ أبو زكريا وأخوه الشيخ أبو محمد عبد الواحد، إبنا الشيخ
(١) المعجب ص ١٧٥، وروض القرطاس ص ١٥٢.
(٢) وقد ورد في بعض الروايات " أبو زيد بن يوجاق " (راجع رحلة التجاني ص ٣٦٣)