← المكتبة ▭ صفحة واحدة
عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح
السبكي، بهاء الدين البلاغة 773 هـ
A− A+
595 · ص301 · ج1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحد، وهذا لا يمنع؛ لأن امتناعه لا للمعنى؛ لأنه صالح لهما، ولا للفظ؛ لأنه لو امتنع لكان لتنافر لفظى فيمتنع حينئذ: زيد وعمرو قائم على الحذف، وأيضا يرده قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (١) فإنه نص فيما قلناه، وقوله:" وإن صح ففى الجمع" ظاهره يوهم أنه يصح فى الجمع:" رجلان صبور" وهو فاسد، لكن مقصوده إن صح الإخبار بفعيل عن أكثر من مفرد ففى الجمع. وقوله: إن ذلك لا يصح فى التثنية، يرده قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (٢) فإنه قد نقل الواحدى (٣) عن المبرد (٤) وابن عطية (٥) عن الفراء (٦) أن قعيد مبتدأ لهما، ولكن مع ذلك أقول: لا يسوغ هنا أن يكون لغريب خبرا عنهما؛ لأن (قيار) إما مبتدأ فلا يصح أن تدخل اللام فى خبره، ولهذا منعنا أن يكون حذف من الأول لدلالة الثانى، ويجوز أن يقال: (غريب) صار له جهتان: جهة خبرية المبتدأ، وجهة خبرية إن، فتدخل اللام بإحدى الجهتين، لكن الظاهر خلافه، فإن تعارض المانع والمقتضى يدفع الحكم، بل نقول: إنما يكون التعارض بين مانع وموجب، وهنا بين مانع وموجز فيرتفع جواز دخول اللام
(١) سورة التحريم: ٤. (٢) سورة ق: ١٧. (٣) الواحدى: هو على بن أحمد بن محمد بن على الإمام أبو الحسن الواحدى، إمام مصنف مفسر، نحوى، لازم مجالس الثعالبى فى تحصيل التفسير، صنف: البسيط والوسيط والوجيز فى التفسير، وأسباب النزول، والإغراب فى علم الإعراب، مات سنة ثمان وستين وأربعمائة، انظر بغية الوعاة (٢/ ١٤٥). (٤) المبرد: هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدى البصرى، أبو العباس المبرد. إمام العربية ببغداد فى زمانه، أخذ عن المازنى وأبى حاتم السجستانى، وروى عنه إسماعيل الصفار ونفطويه والصولى، ومات سنة خمس وثمانين ومائتين، انظر بغية الوعاة (١/ ٢٦٩)، وله ترجمة مطولة فى تحقيقنا لكتابه (الكامل) ط دار الكتب العلمية. (٥) ابن عطية: عبد الحق بن غالب بن عبد الرحيم - وقيل عبد الرحمن - ابن غالب بن تمام بن عبد الرءوف بن عبد الله بن تمام بن عطية الغرناطى، صاحب التفسير، الإمام محمد الحافظ القاضى. كان نحويا لغويا أديبا، ألف تفسير القرآن العظيم وقيل: إنه مات سنة ست وأربعين وخمسمائة، انظر بغية الوعاة (٢/ ٧٣). (٦) الفراء: يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان الديلمى إمام العربية، قيل له: الفراء لأنه كان يفرى الكلام، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائى، صنف الفراء: معانى القرآن، البهاء فيما تلحن فيه العامة، مات سنة سبع ومائتين، انظر بغية الوعاة (٢/ ٣٣٣).
596 · ص301 · ج2
أو الثالثة؛ نحو: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (١). ولا يحسن أن يؤتى بقرينة أقصر منها كثيرا. والأسجاع مبنيّة على سكون الأعجاز؛ كقولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت. قيل: ولا يقال: فى القرآن أسجاع، بل يقال: فواصل. ــ (أو الثالثة) أى أو طالت قرينته الثالثة على ما قبلها، نحو قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ وكلام المصنف يقتضى أن تطويل الثانية على الثالثة حيث لا بد من طول إحداهما، وعكسه سواء، وفيه نظر، لأن إيقاع طويلة بعد قصيرتين متساويتين أولى من الفصل بين المتساويتين بطويلة: ويدخل فى قوله: أو الثالثة استحسان طول الثالثة عن غيرها، فيدخل فى هذا الإطلاق ما ذكرناه من أن الثالثة يستحسن أن تكون أطول من الثانية، وأن تكون الثانية أطول من الأولى، وعلى هذا (ولا يحسن أن يولى قرينة) قرينة (أقصر منها كثيرا) أى لا يحسن أن تأتى قرينة قصيرة بعد قرينة طويلة، لأن السجع إذا استوفى أمده من السابقة لطولها وكانت اللاحقة أقصر بكثير، كان كالشئ المبتور ويصير السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية، فيعثر دونها. هذا الذى ذكرناه هو المشهور، وصرح الخفاجى: بأنه لا يجوز أن تكون الثانية أقصر من الأولى، لكن رأيت فى مختصر الصناعتين للعسكرى أن الأحسن أن تكون الثانية أقصر من الأولى، فلا أدرى أهو غلط من الناسخ أم لا. قوله: (والأسجاع) يشير إلى أن الأسجاع (٢) وينبغى أن يقول: " القرائن المسجعات" فإن السجع، وهو التواطؤ - كما سبق - لا المتواطئ (مبنية على سكون الأعجاز) أى أصلها أن تكون ساكنة الأعجاز، أى الأواخر، أى موقوفا عليها، لأن الغرض المزاوجة بين كل واحدة وأخرى، وذلك لا يطرد إلا بالوقف، كقولهم: (ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت) لأنك لو وصلته لاقتضى حكم الإعراب مخالفة حركة إحداهما للأخرى، فيفوت المقصود من السجع، وإذا كانوا يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج، كالغدايا والعشايا، فما ظنك بما نحن فيه. قوله: (قيل) هذا هو المشهور أنه (لا يقال: فى قرائن القرآن الكريم أسجاع بل) إنما (يقال: فواصل) أما مناسبة فواصل، فلقوله تعالى:
(١) سورة الحاقة: ٣٠ - ٣١.