← المكتبة ▭ صفحة واحدة
فتح الباري لابن رجب
ابن رجب الحنبلي شروح الحديث 795 هـ
A− A+
1237 · ص58 · ج2
والأظهر - والله اعلم -: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز؛ لقوله: ((فإذا ذهب عنك قدرها)) ، كذا في رواية مالك، عن هشام، وهي التي خرجها البخاري في هذا الباب. وقد تأويلها بعض المالكية على أنها كانت مميزة، لكن يزيد دم تمييزها على أكثر الحيض، فتجلس منه قدر العادة. وقال بعضهم: المراد بقدرها: ذهاب دمها وانقضاؤها. وتأوله بعضهم: على أن المراد بذهاب قدرها: الاستطهار بعد مدتها بثلاثة أيام على ما يراه مالك. وكل هذه تأويلات بعيدةٌ، تخالف ظاهر اللفظ. وفي رواية أبي أسامة، عن هشام: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)) . وقد خرجها البخاري فيما بعد. وهذه الرواية صريحة في ردها إلى العادة دون التمييز. وخرج مسلم من حديث عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة سألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الدم؟ فقالَ لها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي)) . وفي رواية: أنها شكت إليه الدم. وروى مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أن امرأةً كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالَ: ((لتنظر عدة الليالي والأيام
1238 · ص58 · ج3
وحكي عن الحسن بن صالح، أن المسلم إذا أسلم بدار الحرب، وأقام بها مع قدرته على الخروج، فهو كالمشرك في دمه وماله، وأنه أن لحق المسلم بدار الحرب وأقام بها صار مرتدا بذلك. وقوله: ((فذلك المسلم، له ذمة الله ورسوله)) . الذمة: العهد، وهو إشارة إلى ما عهده الله ورسوله إلى المسلمين بالكف عن دم المسلم وماله. وقوله: ((فلا تخفروا الله في ذمته)) ، أي: لا تغدروا بمن له عهد من الله ورسوله، فلا تفوا له بالضمان، بل أوفوا له بالعهد. وهو مأخوذ من قولهم: أخفرت فلانا، إذا غدرت به، ويقولون: خفرته، إذا حميته.
→ السابق 1237–1238 / 4834 التالي ←