151 · ص19
أهدى له رجل بقرة فأتاه بعد ذلك يكتب له حكما في خصومة أو مثلها، فقال له الشيخ: أنت أحسنت إلي، ولكن إن كنت تريد بإحسانك إلي شغلي عما هو أنفع لي من هذا، فخذ بقرتك عني. وكان يحب أشياخه جميعا ويعظمهم ويمدحهم إذا ذكر عنده أحد من أهل الكرامات يقول هو:
حسبي بشيخي فلان. وكانت التلاميذ إذا أرادوا أن يشغلوه عن تفسير أحدهم، سأله أحدهم بصوت خفي فيبلغه التلاميذ بقولهم، قال فلان أحقا أن شيخك فلانا يعرف بعض الفن الفلاني، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، ويضع الورقات من يده، وتارة يعطيهن لأحد، فيلتفت مسرعا يقول: من هذا؟ ما أحمقه! فإن شيخي فلانا يعرف كذا وكذا، وجعل يمدحه حتى يمكث ساعة من النهار. ومن ورعه كان لا يفسر إلا في الكتاب. وكان ذات يوم يفسر لأحد التلاميذ فسأله عن كلمة فلم يجاوبه، فسأله أيضا وهو ينظر الكتاب، ثم أعاد السؤال، قال الشيخ: دعني لم أرها في كتاب. وكان ذا جاه مهابا مطاعا. كان إذا خرج من المسجد لا يمر بقوم إلا قاموا بوجهه ليضعوا أيديهم على رأسه. وكان لا يصلي في المسجد إلا الظهر والعصر والعشاء لأن المغرب والصبح كثيرا ما تخلف فيهما الناس. وكان يؤذن، وأذانه هو آخر الأذان. قيل له في ذلك، قال غرضي من كان عازما على الصلاة في المسجد، إذا سمع أذاني علم أن الصلاة حانت فينهض مسرعا. وكان كثير الورع والإعراض عن الدنيا، لأنه كان لا يدخر شيئا لغد، وتأتيه الهدايا من كل جهة فيستريح منها حين إتيانها ولا يلتفت إليها. وكانت همته الكتب وكان منظرا لها، حتى حكى أنه كان يوما مع أصحابه يتحدثون إلى أن بلغوا نعيم، فكلهم قال منيتي كذا وكذا، فقال هو منيتي كثير من الكتب، فأكون بينهم تارة أنظر وتارة أقرا. وكان ورعا جميل الخلق، فقد أخذ من خلقه صلى الله عليه وسلم، دائم البشر متواصل الأحزان، وكان كثير الصمت مستعملا قوله تعالى {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} الآية. وكان مطاعا إذا أمر بشيء لا
152 · ص20
يفعل إلا ما قال. وكان يدخل السرور على المذنبين ويدعو في كل ساعة وحين، وكان إذا حبس الممطر وذهب الناس لصلاة الاستسقاء، سمعته يوما يقول: لن تزالوا بخير ما دمتم على بعض سنته صلى الله عليه وسلم. حدثني بعض التلاميذ أنه كان ينام معه شهورا فقال: ينام أول الليل ويستيقظ جوفه، ومن ثم لا ينام إلى الصبح. فقال لي: قمت ليلة فوجدته مضطجعا في لحافه أحسب أنه نائم، فلما أصغيت سمعي له سمعته يذكر الله بقلب حزين مع التدبر، وكان فعله ديمة، لأنه يقرأ كل يوم من القرآن ربع حزب ثلاث مرات الأولى في مصحف. صحيح، والثانية في مصحف مهبط ٤، والثالثة يقرؤه في رأسه. وكان لا تاخذه في الله لومة لائم، وإذا عزم توكل، وإذا حدّث صدق، وإذا عاهد وفى، وإذا غضب عفا، وإذا خاطبة الجاهل قال سلاما. وممن قال الله تعالى فيهم في كتابه العزيز {وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً} الآيات. وكان ورعا يبغض أعداء الله ويحب أولياءه، وقد قص قصته مع اليهوديين اللذين أتيا مع الشريف مولاي الحسن بن مولاي عبد القادر إمامي، وهي أنه لما رأى اليهوديين أبغضهما حق البغض، وأتى الشريف المذكور فقال له: خذ العشر من صاحبي الشيطان الذي عندك! قال إنهما ضيفاي، فقال له الشيخ: إن لم تأخذه منهما أغريت عليهما أحدا من المغافرة، فأقول له إنه أحلّ عليك من لبن أمك. فقبل الشريف أن يأخذه بنفسه، ولكن قال للشيخ: أحضرني لآخذ منهما ما قلت، قال الشيخ: نعم وأحل، والله ما أحب علي منهما شيء. فلما كان الغد أتى الشيخ ومعه رجلان من عشيرته، فعشّروا مال اليهوديين كلّه، فأعطوا عشره للشريف. فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أتى أحد اليهوديين للشيخ بجزية، فلما بلغ الدار أرسل إلى الشيخ رسولا فأتاه الشيخ يحسب أنه غيره. فلما رآه عبس في وجهه، قال: ما أتى بك يا
٤ لعله يقصد الهبطي إمام القراء وهو صاحب وقف القرآن.