← المكتبة ▭ صفحة واحدة
فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور
الطالب البرتلي التراجم والطبقات 1219 هـ
A− A+
165 · ص55
القرآن بقالون، ولا يكاد يترك من يتكلم حذاءه، ويأمره أن يذكر الله. وكثيرا ما يسرد للعوام المواعظ، ويعظ كل واحد ويسرد لهم الترغيب والترهيب، وكتاب السمرقندي والعلوم الفاخرة في أمور الآخرة، وشرح الصدور في أحوال الموتى والقبور، وتنبيه المغترين. وذكر رحمه الله تعالى: أنه ذكر له بعض الصالحين قبل أن يبلغ خمسين عاما أن الصالحين اجتمعوا وجعلوه من أهل التصريف، وذكر أيضا رحمه الله تعالى أنه مرض عام تيكر، فكان أصحاب التآليف المشهورون لدينا يأتونه يعودونه في مرضه ذلك، وآخر من يقوم من عنده الإمام الحطاب، وسألوه عن ذلك فقال: إني كنت أدعو لهم. وذكر أيضا رحمه الله تعالى أنه رأى أبا بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه في المنام وقال له: إن بيني وبينك رحما، وكان رحمه الله تعالى يعظم أهل الله وآل النبي صلى الله عليه وسلم وذرية أشياخه، وكانت بنت شيخه عند بعض الرفافدة، فكان يعطي الزوج كثيرا من الأباكير وكسوة البنت والإنفاق عليها. وكان رحمه الله تعالى سخيا كثير العطاء حتى إنه بين ٣٩ دارين في البادية أعطى ثلاثين ناقة، وكان عنده نحو ابلين [أبى سرحين] ٤٠ فأعطى واحدة منهما وجلس راعي تلك الابل، وكان رحمه الله تعالى كثيرا ما يقول: إن بعض أشياخه أمره بالانفاق وقال له: أنفق فإنك جالس على كنز، وكان رحمه الله تعالى حسن العهد في العوام واللصوص فكيف بأهل الله، قال ابنه محمد الأمين. وذكر لي من أثق به أنه سمع من سيدي محمد الطاهر بن سيدي علي أنه قال له: ما رأيت مثل شيخي سيدي أحمد الكلسوكي، قال لي إذا
٣٩: في ب: بني. ٤٠ ما بين معقوفتين سقط من ج.
166 · ص60
يشتغل بالتعليم إلى صلاة العصر، ثم يشتغل به بعدها إلى أذان المغرب، ثم يصلي النوافل بعد صلاة المغرب إلى العشاء، ويتنفل بعد العشاء أمام بيته. وإذا كان ثلث الليل الأخير يقوم فيركع، ويشتغل بالتعليم إلى الصبح، نفعنا الله تعالى به. وتعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة ودرجة عظيمة، قال في جواهر العقدين في فضل الشرفين: وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلّم العلم فإنّ تعلّمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنّه معالم الحلال والحرام، سبيله الجنّة، وهو الانس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والسّلاح على الأعداء، والزّين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأيمّة يقتفى آثارهم ويقتدى بهم وينتهى إلى رأيهم. انتهى المراد منه. وكان فهما نجيبا، سمع ليلة رجلا ينشد قصيدة فحفظها بالسمع. وإذا حضر إلى تفسير لوح لا يحتاج له إلى شيخ، وإذا كتب لوحا حفظه، وإذا قرأ شيئا لا يحتاج أن ينظره في كتاب، وما لم يقرأ فهمه بالنظر في الكتاب. وكان مقتديا بما قاله الشيخ خليل، ولا يلتفت إلى شرح ولا إلى نص غيره، ويقول ما قال الفقيه سيدي أحمد بابا التنبكتي: نحن أناس خليليون إن ضلّ ضللنا. وكان ملازما للطهارة، يدخل في الآبار ليلا لأجل أخذ ماء الطّهارة، وقد رحل أهله من دار فيها الماء المطلق، فصار يسري إليها حتى يغتسل فيها. وكان رحمه الله تعالى سخيا. ومن سخائه أن بعض تلامذته تزوج وأمسك أصهاره زوجته حتى يدفع لهم حالّ الصداق وليس عنده ما يدفع لهم، فأعطاه عشرين بقرة دفعها لهم، وهو قليل ذات اليد. ولقد صدق فيه قول الشاعر. ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل