595 · ص204 · ج2
يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه. فأحضره الوزير، وفاوضه في أمر اليازوري، وأخذ رأيه فيما يعمل مع؛ فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء، ظنا منه أنه إذا تقلد القضاء فإنه يقع في أمر كبير، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة، فيجد الوزير سبيلاً إلى استخدام ولده مكانه، ويتقوى له الأمر فيه، ويملك جهة الخليفة والسيدة. وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد، وذكر أن أمور الناس ناقصة في حكوماته، وأن له غلمانا قد استحوذوا على الحكم، وهم الذين يوقفون أمور الناس؛ فاستخدم أبو سعيد شاهداً يعرف بابن عبدون، خليفة القاهرة، وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا بحضوره. وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضي والشهود بين يديه، فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين، وما يحتاج إليه من إقامة بينة، أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض، وما يجري هذا المجرى. وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون؛ وحجج الناس يحتاط عليها في قمطر، وتحمل بين يدي القاضي؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها. وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات، فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه، فلم يعره فرضة يوما حتى خرج من مجلس قاضي القضاة وركب، فتقدم إليه وقبل ركابه، وخضع له وتلطف في أمره، فلم يلتفت إليه؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله، فانتهره. فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه، فخر إلى الأرض ميتا. وأخذ الرجل إلى أبي سعيد، فنكل به وقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه. ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعي وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون في الأحكام؛ فلم يقوما مقامه، وكانا يجاملان القاضي؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون، إلا في فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلا بحضورهما. فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه، واتهامه أن أمور الناس واقفة، وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي.
596 · ص204 · ج3
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
فيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج، وكانوا قد نزلوا عليها في السنة الخالية. وكانت العادة أن يخرج في كل ستة أشهر عسكر بدلاً من العسكر الذي بالثغر. فلما قدم البدل كانت النوبة لركن الدين المظفر أبي منصور عباس بن تميم ربيب العادل. فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عباس والأمير ملهم والضرغام وأسامة ابن منقذ وغيره، وكان لأسامة بعباس اختصاص كبير. فلما نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكر عباس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدو، فتأوه عباس أسفاً على مفارقته لذاته بمصر، وأخذ يلوم العادل ويثرب عليه من أجل كونه أخرجه. فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر. فقال: وكيف لي بذلك؟ فقال: هذا ولدك ناصر الدين بينه وبين الخليفة مودة عظيمة، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمك، فإنه يحبك ويكره عمك؛ فإذا أجابك فاقتل عمك. فوقع هذا الكلام من عباس بموقع وقبله، فاستدعى ابنه وأسر إليه بما تقرر بينه وبين أسامة وسيره سراً إلى القاهرة.
وكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عباس بالخليفة الظافر، وقال لعباس وأمه والله ما ينبغي اجتماع نصر بالخليفة؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربما نتج من شابين ما لا ينبغي. وقال لأم عباس: لا يدخل ابنك داري إلا بإذني. فكأنه يوحي بأنه قاتله.
فلما سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل أمكنته فيها الفرصة، فاجتمع بالظافر وأعلمه بالحال التي قدم من أجلها، فأعجبه ذلك وأذن فيه، لما كان في نفسه من قتل ابن السلار لصبيان الخاص وغير ذلك. ففارق نصر