993 · ص920 · ج2
والخامس: تركبه من المادة والصورة عند من يقول بهذا وهذا.
ولا ريب أنه يمتنع وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه بدون ثبوت الأقسام الثلاثة الأولى، وتسميتهم لذلك تركيبًا خطأٌ وكذبٌ على اللغة.
وإن قالوا: نحن اصطلحنا على تسميته تركيبًا.
قيل: فلا ترتفع بسبب اصطلاحكم ـ المتضمن للتلبيس [ق ١٠٧ ب] والإيهام ـ الحقائق الموجودة والمعاني العقلية. ولا يُنكر بسببه ١ علمُ الربِّ وحياته وقوته وسمعه وبصره وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، فإنه ليس في العقل ما ينفي ذلك، بل العقل الصريح يصدق السمع الدال على إثبات صفات الربِّ سبحانه ومباينته لمخلوقاته، والعقل أثبت موجودًا واجبًا بنفسه غنيًّا عمَّا سواه، وأمَّا كون ذلك الموجود مجردًا عن الصِّفات الثبوتية لا يوصف إلَّا بالسلوب والإضافات العدمية، فالعقل لا يدل على ذلك، بل يدل على خلافه كما يدل السمع ٢.
فصل
الطريق التاسع والعشرون ٣: أن يقال: ما أثبته هؤلاء المعطلة من المباينة لا يبطل الحلول والاتحاد، فإنهم أثبتوا مباينة في المفهوم كمباينة طعم التفاحة للونها وريحها وشكلها. ومعلومٌ أن هذه المباينة لا تقتضي انفصال كل من المتباينين من الآخر، بل هي ثابتة مع قيام هذه الصِّفات كلها
١ «ح»: «بتشبيه». تصحيف.
٢ «ح»: «المسمع». والمثبت هو الصواب.
٣ «ح»: «الثلاثون». وهذا هو الوجه السادس والسبعون بعد المائة.
994 · ص921 · ج2
بمحلٍّ واحدٍ، وهذه المباينة معناها أن هذا غير هذا. وهذا القدر الذي أثبته النفاة من المباينة لا ينافي كونه حالًّا في غيره ولا حلول غيره فيه، ولا تقتضي قيامه بنفسه ولا انفصال ذاته عن ذات خلقه، بل ولا يقتضي تنزيهه عن التشبيه والتمثيل.
وأمَّا المباينة التي دلَّ عليها العقل والنقل والفطرة فأعظم من ذلك، فإنها مباينة تستلزم تفرده بصفات كماله ونعوت جلاله، وكونه أعظم من كل شيءٍ، وفوق كل شيءٍ، وعاليًا على كل شيءٍ، وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيءٌ؛ فباين خلقه بذاته وصفاته وأفعاله وأوليته وآخريته ووجوب وجوده وامتناع عدمه وكثرة أوصافه التي ليس كمثله فيها شيءٌ. فهو العليم الذي ليس كمثله شيءٌ في علمه، البصير الذي ليس كمثله شيءٌ في بصره، القدير الذي ليس كمثله شيءٌ في قدرته، الحي القيوم الذي ليس كمثله شيءٌ في حياته وقيوميته، العلي الذي ليس كمثله شيءٌ ١ في علوه؛ بل هو منفرد بذاته وصفاته عن مماثلة مخلوقاته، فله أعظم المباينة وأجلُّها وأكملها، كما له من كل صفة كمالٍ أعظمها وأكملها. فهذه هي المباينة التي لا يليق به غيرها. فأثبت له النُّفاة المعطلة مباينة لا حقيقة لها، ولا ترجع إلى أمرٍ وجوديٍّ، بل المباينةُ التي أثبتوها من جنس مباينة العدم للوجود، والمباينةُ التي أثبتها لنفسه مباينة ٢ فوق كل مباينة.
١ «شيء» سقط من «ح».
٢ «ح»: «مباينته». والمثبت هو الصواب.