3
أبو الطيب المتني
لماش الرجل عيشة هادئة ، ولولاهما لكانت صحيفته في تاريخ الشعر والشعراء غير الصحيفة التى نقرؤها اليوم ، ولولاهما لما وجد الباحث عنه هذا الغموض وهذا التناقض اللذين يعانيهما الآن
أما أحدهما فجماعة من ذوى المكانة بين الناس وأصحاب الجاه ، خافوه على أنفسهم ، ورهبوا أن تمتد مطامعه إلى مكانتهم وجاههم ، أو طمعوا منه في أن يتملقهم ويراثيهم فيرد حضرتهم كا كان غيره يردها وكما كان هو يرد حضرة غيرهم من الملوك والأمراء ، فلم ينالوا ذلك منه ، أو دفعت أبا الطيب نوازع نفسية قتال من أعراضهم ، فكانوا لأحد هذه الأسباب أو ما كلها مجتمعة يخنقون عليه، ويغضون من شأنه ، وكانوا مع ذلك يؤنبون عليه الشعراء والعلماء لينالوا منه ويؤذوه فى نفسه وفى شعره ، وكان أبو الطيب يخشاهم
ويذهب سلطانهم، بل لم يكن يخشاهم على نفسه فحسب ، وإنما خشيهم على
بعض
أصدقائه
و من يشفق عليه
حدث أبو إسحاق الصافي، قال :
راسلت أبا الطيب رحمه الله فى أن يمدحني بقصيدتين وأعطيه خمسة آلاف درهم ، ووسطت بيني وبينه رجلا من وجوه التجار ، فقال : قل له : والله مارأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك ، ولا أوجب على في هذه البلاد أحد من الحق ما أوجبت ، وإن أنا مدحتك تسكر لك الوزير ( يعنى أبا محمد المهلبي ) وتغير عليك ، لأنى لم أمدحه ، فإن كنت لا تبالى هذه الحال فأنا أجيبك إلى ما التمست ، وما أريد منك مالا ، ولا عن شعرى
الغاط عوضا ، فتنبهت على موضع ، وعلمت أنه نصح ، فلم أعاوده » اهـ . وأما الصنف الآخر فجماعة ممن كانوا يأملون أن تكون لهم المنزلة التي أدركها : من الحظوة عند الملوك ، وحرص كل واحد منهم على أن يكون أبو