10
:
كان يعرف البلاد الأوربية وأحوالها جيدا ، فقد قضى فيها ثلاثين صيفاً - كما
يقول - طالباً وسائحاً وباحثاً مستكشفاً . ثم قام بزيارة الصين واليابان وكتب عن تلك الرحلة بالتفصيل . ولا ريب أنه ، خلال تلك الأسفار الغنية المتنوعة ، كان يحلم أن يزور عديداً من البلدان العربية والإسلامية المستقلة . ولعل ما يثير هذا الحلم أو الهاجس في نفس الرجل أنه عاش مسكوناً بحضارة الأمة ، وهو يرجو أن تستعيد
تلك الحضارة في أزهى عصورها المجيدة . ولا يترك لحظة تفوته دون أن يذكرنا ويحفزنا ، ولو بشكل غير مباشر، إلى ضرورة العلم والعمل والتآزر لتحقيق ذلك ، ليس بطريقة التلقين الفج والمواعظ الفقهية المثقلة بالأوامر والنواهي ، إنما من خلال القدوة الحسنة وضرب الأمثلة والإشارات والأشعار الكثيرة التي يرددها في ثنايا كتابه
هذا .
الأوربي
بدأ محمد علي باشا رحلته من السويس يوم الجمعة في 21 ربيع الأول 1328 هجرية ، الموافق الأول من أبريل / نيسان 1910 ميلادية . وهذه الفترة من أخطر المراحل التي شهدتها بلاد الشام ، وهي تتهيأ سراً لخوض معركة الاستقلال ، كما كانت السلطنة العثمانية تمر بمرحلة احتضارها ، وخاصة بعد الإطاحة بالسلطان الأحمر عبد الحميد الثاني على أيدي قادة جمعية الاتحاد والترقي . وكانت دول الاستعمار تطلق على تلك الإمبراطورية لقب (الرجل المريض وتسن أنيابها استعدادا التمزيقه واقتسام أوصاله ، وهي تستعد في الوقت ذاته لخوض الحرب العالمية الأولى التي انتهت وبالا على أمتنا العربية ، إذ صدر وعد بلفور المشؤوم الذى وضع الأساس الاستعماري لاغتصاب فلسطين ، كما أبرمت مشاريع اقتسام تركة العثماني المريض باتفاقية سايكس بيكو وتنفيذ بنودها على أرض الواقع . ومن خلال هذه الرحلة ، لا نملك إلا أن نشارك الأمير سروره وابتهاجه وهو يتابع طريقه من بيروت إلى دمشق، ويتأمل المناظر الطبيعية الخلابة عبر نافذة القطار السياحي البطيء ، صاعدا جبال لبنان وهابطا منها ليمر في وادي بردى ويتوقف بين
حين وآخر في محطاتها الجميلة المنعشة باعتدال جو ربيعها وعذوبة أنسامها الندية . لكننا نحس بالأسف لذلك الاستقبال البارد الذي واجه الزائر الكبير في المحطة بدمشق. لم يكن استقبالا مسيئا ومخجلا لأبناء دمشق والسلطة الحاكمة فيها
12
<
:
!
: