261 · ص264
في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حيث قال:
نحن قومٌ مِلْجِنِّ في زيِّ ناس ... فوق طيرٍ لها شخوصُ الجِمال
وبهذا يندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسد به للرجل الشجاع ينافي نصب القرينة المانعة عن إرادة الأسد، وأن التعجب والنهي عنه كما في البيتين المذكورين.
فالبناء على تناسي التشبيه قضاء لحق المبالغة، ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به أصلًا حتى إن كل ما يترتب على المشبه به من التعجب والنهي عن التعجب يترتب على المشبه أيضًا.
ثم إن عرفت معنى الاستعارة، وأنها مجازٌ لغويٌّ على التحقيق، فاعلم أن الاستعارة تفارق الكذب من وجهين:
أحدهما: بناء الدعوى فيها على التأويل في دعوى حصول المشبه في جنس المشبه به بجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارف، وغير متعارف، كما مر.
والثاني: نصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها، فإن الكاذب يتبرأ من التأويل، ولا ينصب دليلًا على خلاف زعمه، بل يبذل المجهود في ترويج ظاهره.
واعلم أن أحسن أنواع المجاز الاستعارة التمثيلية، ثم المكنية، ثم التصريحية، ثم المجاز المرسل. وحسن التخييلية عندهم بحسب حسن المكنية، لأنها تابعتها عند سلف البيانيين، والتابع بحسب
262 · ص265
واعلم أنه يشترط لحسن الاستعارة خمسة شروط:
الأول: مراعاة جهات الحسن في التشبيه، كأن يكون وجه الشبه شاملًا للطرفين، والتشبيه وافيًا بإفادة ما علق به الغرض، ونحو ذلك مما هو مذكور في التشبيه.
والثاني: بُعدها عن الحقيقة كما يقع لها بالترشيح.
الثالث: كونها غير مبتذلة.
الرابع: أن لا يكون وجه الشبه مي غاية الخفاء حتى تكون كالألغاز، كما في قولك: "رأيت أسدًا" لإنسان أبخر.
الخامس: أن لا يشم فيها رائحة التشبيه لفظًا؛ لأن ذلك يبطل الغرض من الاستعارة. أعني ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به؛ لما في التشبيه من الدلالة على أن المشبه به أقوى في وجه الشبه.
واعلم أن ما ذكرنا في تقسيم المجاز وانحصاره في: عقلي، ومفرد، ومركب، هو تقسيمه المعروف عند البيانيين، فلا يَرِدُ عليه مجاز الحذف والزيادة؛ لأن لفظ "المجاز" قد يطلق بالاشتراك أو التشابه على كلمة تغير إعرابها بحذف لفظ أو زيادة لفظ، فمثال الحذف قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف/ ٨٢] أي: أهلها، فأصل إعراب القرية الخفض بإضافة الأهل إليها، فحُذِفَ المضاف فصار المضاف إليه خلفا منه، فنصب بالمفعولية على القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: