34
سمعته مراراً يبالغ في شيء لا يفعله بقوله : لو سألني جار قطلو في هذا ما فعلته ، وكان إذا جلس قاضي القضاة بدر الدين العيني عند السلطان في ليالي الخدم وأخذ في قراءة شيء من التواريخ يشير السلطان بحيث لا يعلم جار قطلوا ، فينتقل بما هو فيه إلى شيء من الوعظيات ويأخذ في التشديد على شراب الخمر وما أشبه ذلك ويبالغ في حقهم والأشرف يهول الأمر ويستغفر فإذا زاد عن الحد يقول جار قطلو : يا قاضي ما تذكر إلا شربة الخمر وتبالغ في حقهم بأنواع العذاب، ليس ما تذكر القضاة وأخذهم الرشوة والبراطيل وأموال الأيتام ؟ يقول ذلك
بحدة وانحراف حلو ، فلما يسمع الأشرف كلامه يضحك وينبسط هو وجميع أمرائه ) . كما كان الأشرف يسأل العيني كثيراً عن أمور دينه وعما يحتاج إليه من العبادات فيجيبه القاضي بدر الدين بعبارة تقرب من فهمه
.
وعندما تولى محمد بن جقمق حصلت بينه وبين العيني جفوة ، وتولى قضاء الشافعية في عهده ابن حجر وقضاء الأحناف سعد الدين الديري وكانا يترددان على السلطان في الجمعة مرتين أو ثلاثًا ، فقال العيني عنهما : « كانا يقاسيان مشقة تلك السلالم والمدارج حتى كان الناس يسمونهما فقهاء الأطباق وكل هذا من عدم حفظ حرمة العلم ) .
وقال السخاوي بعد أن نقل ذلك عنه : ( وكأنه رحمه الله لم يستحضر حين كتابته لهذا ملازمته وتردده للأشرف في قراءة التاريخ ونحوه ، بل لو كان في أيامه قاضياً لبادرهما إلى الطلوع ، وأرجو أن يكون قصد الجميع بذلك حسنًا رحمهم الله وإيانا » .
وعجيب من البدر أن يقول هذا القول وهو أول المغرقين في لزوم مجالس السلاطين ومنادمتهم ، ولعل الغيرة هي التي دفعته إلى هذا القول .
+
ومما يؤخذ على العيني أيضًا هذا الموقف الذي أورده السخاوي في ترجمة محمد بن أحمد بن إبراهيم الشرف أبي المعالي المتوفى ٨٧٣ وكان يدرس بالبيمارستان عوضاً عن شيخه البلاذري وبجامع ابن طولون فلما مات شيخه : قام ابن العفيف مساعدا لابن خضر وابن البندقي وقرر عند الأشرف برسباي عدم أهلية الشرف لذلك فأمر بإعطاء البيمارستان لابن خضر والآخر للآخر فوقف الشرف للسلطان في رمضان أيام قراءة البخاري وتظلم ، وتلا قوله تعالى : و يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى.... الآية ، فرسم الأشرف بعقد مجلس وتقديم المستحق فاتفق طلوع البدر العيني على عادته للسلطان فحكى له المجلس فأعلمه بأن تلاوة الشرف للآية مخاطبًا السلطان إساءة يستحق
٣٣