33
المقدمة التحقيقية
35
منهج ابن عرفة الفقهي
كان للبيئة العلمية في تونس والقيروان أثرٌ كبيرٌ في منهج ابن عرفة العلمي، فقد صقلت مواهبه وملكاته العقلية، واستفاد كثيراً من مدرسـيـه الـذيـن واظب على صحبتهم، فأخذ
فأخذ منهم العلوم اللسانية والعقلية والشرعية، وبرع ابن عرفة، وتميز في
ميداني التدريس والتأليف الفقهي، فضلاً عن الفتوى، وفيما يلي الحديث عن ذلك بشيء
من التفصيل:
أولاً : منهجه في التدريس :
انتمى ابن عرفة إلى مدرسة تميزت بمنهج علمي متفرد في التدريس، والتي تعرف بمنهج التفقه؛ وهذه الطريقة خلاصة طريقتين في البحث والتأصيل: أولاً: طريقة القرويين والأندلسيين القائمة على المباحثة والمساءلة والنقد والمراجعة، والثانية: الطريقة المشرقية التي أنبت على التحليل والاستنباط وخدمة العلم الواحد بمجموعة
من العلوم.
وهذه الطرق إنما ورثت عن متقدمي علماء المذهب؛ إذ كان لهم في تدريس المدونة
اصطلاحان
الأول: اصطلاح عراقي.
والثاني: اصطلاح قروي.
فالعراقيون جعلوا من مصطلحهم مسائل مدَوَّنة كالأساس، وبنو عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، ورسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين.
وأما الاصطلاح القروي؛ فهو البحث على ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما إنضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع، وافق