← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
22
كتاب الله تعالى هو روح القلب وحياته ونوره ۲۱ وكذلك القلب المريض بالشهوة ، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة. المرض وضعفه . وكذلك إذا قوى نوره ، و إشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ماهى عليه ، فاستبان حسن الحسن بنوره ، وآثره بحياته ، وكذلك قبح القبيح ، وقد ذكر سبحانه وتعالى لهذين الأصلين في مواضع من كتابه . فقال تعالى ( (٤٢) : ٥٢) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا نْ أَمْرِنَا ، مَا كُنتُ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ( فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة ، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق ، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين ، فهو روح تحيا به القلوب ، ونور تستضى، وتشرق به ، كما قال تعالى : ( « ٦ : ١٢٢ » أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنها ؟ ( أى أو من كان كافراً ميت القلب ، مغموراً في ظلمة الجهل : فهديناه لرشده ، ووفقناه للإيمان ، وجعلنا قلبه حيا بعد موته ، مشرقا مستنيراً بعد ظلمته ؟ فجعل الكافر ـ لانصرافه عن طاعته ، وجهله بمعرفته ، وتوحيده وشرائع دينه ، وترك الأخذ بنصيبه من رضاه ، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته ـ : منزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ، ولا يدفع عنها من مكروه ، فهديناه للإسلام وأنعشناه به ؛ فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها ، ويعمل في خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه ، فأبصر الحق بعد عماه عنه ، وعرفه بعد جهله به ، واتبعه بعد إعراضه عنه ، وحصل له نور وضياء يستضيء به ، فيمشي بنوره بين الناس ، وهم في سُدف الظلام ، كما قيل : ليلي بوجهك مُشرق وظلامه في الناس سارى الناس في سُدف الظلا م ، ونحن في ضوء النهار ولهذا يضرب الله سبحانه وتعالى المثلين المائي والنارى لوحيه ولعباده . أما الأول فكما قال في سورة الرعد : ( ۱۳ : ۱۷ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعِ زَيد مثْلُهُ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقِّ وَالْبَاطِلَ ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء. وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُتُ في الأَرْضَ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ) .