← المكتبة ▭▭ صفحتان
الطب النبوي - ابن القيم الجوزية - ت راجح - ط دار ومكتبة الهلال
شمس الدين ابو عبد الله محمد بن ابي بكر الزرعي الدمشقي ابن القيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
10
نشبت بالصحة، وعبث بها. وارباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالباً، وهم أحد فرق الطب الثلاث . ، والتحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية فالأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات ، أمراضها قليلة جداً، وطبها بالمفردات وأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة، وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة ، فالأدوية المركبة أنفع لها ، وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة ، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة، فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية . ونحن نقول : إن ها هنا أمراً آخر، نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم، وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم، فإن ما عندهم من العلم بالطَّب منهم من يقول : هو قياس ومنهم من يقول هو تجربة. ومنهم من يقول هو إلهامات، ومنامات، وحدس صائب . ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية ، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج، فتلغ في الزيت تتداوى به ، وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض، وقد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج، فتُمر عيونها عليها. وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه، وأمثال ذلك مما ذكر في مبادىء الطب. وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يُوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، بل ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم، وأقيستهم من الأدوية القلبية، والروحانية ، وقوة القلب واعتماده على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له ، والصدقئة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجودا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه . ، 6 وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة ، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية ۱۰