11
وعجبه وكبره ، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه
يسير
فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك ، والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك (۱) . فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والانكسار ، ودوام اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه ، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها ، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده . فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين ، لا يمكنه أن إلا بهما ، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه . قال شيخ الاسلام (۳) : العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة(٤) ومطالعة عيب النفس والعمل. وهذا معنى قوله في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه ( سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي ، فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (٥) فجمع في قوله صلى الله عليه وسلم « أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل
بذنبي
فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والاحسان ،
(۱) فيتركك إلى نفسك وأنت لا تعرف ما يصلح فتخبط في الحياة خبط عشواء تصنع حسبما يمليه عليك هواك وأنت لا تدري أيصلحك ما تفعل أم يضرك .. وغالبا ما يضرك إلا أن يتداركك الله بلطفه ورحمته قال تعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا
ويعفو عن كثير
(..
(۲) الحاجة إليه وعدم الاستغناء عنه سبحانه وتعالى
(۳) الامام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه والجناحان هما شهود عيوب النفس
و شهود فضل الرب وجوده
+
(٤) يقصد النعمة التي امتن الله بها عليه
(٥) الحديث رواه الامام أحمد والبخاري والنسائي .
وقوله : أبوء لك : أي أرجع إليك والمراد - والله أعلم - أن المؤمن يرجع دائماً إلى ربه معترف بفضله ذاكرا لنعمه تعالى ، مقرًا بالتقصير في حقه سبحانه .. وهذا دافع من دوافع الجد والعمل المستمر ، فإحساس المؤمن بعظمة النعمة ، وإدراكه للتقصير من حق ربه يجعلان من حضور قلبي دائم بين يدي الله . كما يدفعانه أيضاً إلى التلذذ بالإحساس بالعبودية له سبحانه وتعالى .
١٤