261 · ص212 · جالكتاب
وإن لم تُدْخِل في اسم «الحشوية» من يُثْبِتُ الصِّفات الخبرية لم ينفَعْك هذا الكلام، بل قد ذكرتَ أنت في غير هذا الموضع هذا القول.
وإذا كان الكلامُ لا يخرُج به الإنسانُ عن أن يَذُمَّ نفسَه أو يَذُمَّ سلفَه الذين يقرُّ هو بإمامتهم وأنهم أفضلُ ممَّن اتبعهم, كان هو المذمومَ بهذا الذمِّ على التقديرين، وكان له نصيبٌ من الخوارج الذين قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأوَّلهم: «لقد خِبْتَ وخَسِرتَ إن لم أَعْدِل» ١ , يقول: إذا كنتَ مقرًّا بأني رسولُ الله وأنت تزعمُ أني أظلِمُ فأنت خائبٌ خاسر ٢.
وهكذا من ذمَّ من يقرُّ بأنهم خيارُ الأمة وأفضلُها، وأن طائفتَه إنما تلقَّت العلمَ والإيمان منهم, هو خائبٌ خاسرٌ في هذا الذمِّ. وهذه حالُ الرافضة في ذمِّ الصحابة.
الوجه الثالث: قوله: «والآخرُ يتستَّر بمذهب السَّلف»، إن أردتَ بالتستُّر الاستخفاءَ بمذهب السَّلف، فيقال: ليس مذهبُ السَّلف مما يُتَسَتَّر به إلا في بلاد أهل البدع، مثل بلاد الرافضة والخوارج، فإن المؤمنَ المستضعَف هناك قد يكتُم إيمانَه واستِنَانه، كما كتَم مؤمنُ آل فرعون إيمانَه، وكما كان كثيرٌ من المؤمنين يكتمُ إيمانَه حين كانوا في دار الحرب.
فإن كان هؤلاء في بلدٍ أنت لك فيه سلطانٌ وقد تستَّروا بمذهب السَّلف فقد ذممتَ نفسك، حيث كنتَ من طائفةٍ يُسْتَرُ مذهبُ السَّلف عندهم، وإن كنت من المستضعَفين المتستِّرين بمذهب السَّلف فلا معنى لذمِّ نفسك، وإن
١ أخرجه البخاري (٣٦١٠) ومسلم (١٠٦٤).
٢ انظر: «الصارم المسلول» (١/ ٣٥١) , و «منهاج السنة» (٢/ ٤٢٠).
262 · ص213 · جالكتاب
لم تكن منهم ولا من الملأ فلا وجه لذمِّ قومٍ بلفظ «التستُّر».
وإن أردتَ بالتستُّر أنهم يَجْتنُّون به ١ ويتَّقون به غيرهم, ويتظاهرون به, حتى إذا خوطب أحدُهم قال: «أنا على مذهب السَّلف» , وهذا الذي أراده ٢ والله أعلم= فيقال له: لا عيبَ على من أظهرَ مذهبَ السَّلف وانتسبَ إليه واعتزى إليه، بل يجبُ قبولُ ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهبَ السَّلف لا يكونُ إلا حقًّا. فإن كان موافقًا له باطنًا وظاهرًا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقًا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتُقْبَلُ منه علانيتُه وتُوْكَلُ سريرتُه إلى الله؛ فإنَّا لم نُؤْمَر أن نَنْقُبَ عن قلوب الناس ولا نَشُقَّ بطونهم.
وأما قوله: «مذهب السَّلف إنما هو التوحيدُ والتنزيه, دون التجسيم والتشبيه» , فيقال له: لفظ «التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسيم» ألفاظٌ قد دخلها الاشتراك, بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلِّمين وغيرهم، وكلُّ طائفةٍ تَعْنِي بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرُهم.
فالجهميةُ من المعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفيَ جميع الصِّفات، وبالتجسيم والتشبيه: إثباتَ شيءٍ منها، حتى إن من قال: إن الله يَرى، أو إن له علمًا، فهو عندهم مشبِّهٌ مجسِّم.
وكثيرٌ من المتكلِّمة الصِّفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفيَ الصِّفات الخبرية أو بعضِها، وبالتجسيم والتشبيه: إثباتَها أو بعضِها.
١ يستترون به ويتخذونه جُنَّة.
٢ العز بن عبد السلام.