143 · ص147
يا مُحْيِياً للدِّينِ بَعْدَ إماتَةٍ ... ومؤيِّداً لشريعةٍ أسْماها
يا آمِراً بالعُرْفِ يُرْضِي رَبَّهُ ... بُوِّئتَ مِن دَارِ النَّعِيمِ عُلاها
يَبْكِيكَ ذا الليلُ البَهيمُ فطالَ ما ... قَدْ قُمْتَ فيهِ مُسَبِّحاً أوَّاها
وكذاكَ صَوْمُكَ في الهَواجِرِ دائباً ... سَيَّانَ عندَكَ حَرُّها وشِتَاها
يا زاهِداً نِلْتَ المَعالي والرِّضا ... يا عارِفاً عَيْبَ الدُّنا وفَنَاها
أعْرَضْتَ عنها إذ أَتَتْكَ مُطيعَةً ... ورَغِبْتَ في أخْرى يَدُومُ بَقاها
خَطَبَتْكَ حُورٌ في جِنانٍ زُينتْ ... لِقُدومِ نَفْسٍ قَدْ زَكا مَسْعاها/ [٧٣]
أَلِجَنَّةِ الفِرْدَوْسِ بُشْرَى بالَّذي ... قَدْ حَلَّها طُوبَى لهُ سُكْناها
فالسُّنّةُ الغَرَّاءُ تَبْكِي فَقْدَهُ ... إذْ مِنْ أَغاليطِ الرُّواةِ حَماها
وكَذاكَ مَذهْبُ ابنِ إدْريسَ الذي ... فاقَ الأئمَّةَ سُؤدَداً فَعَلاها
فاليَوْمَ بُنْيانُ القَواعِدِ قَدْ هَوى ... مِنْ بَعْدِ تَشْييدٍ وحُسْنِ بِناها
مَنْ للمسائِلِ كاشِفاً عَنْ سِرِّها ... إذْ أعْضَلَتْ وتَعَسَّرَتْ فَتْواها
قدْ كُنْتَ توضِحُها بلَفْظٍ موجَزٍ ... فيَطيبُ مِنْكَ جُدَّادها (١) وجَنَاها
وإذا تَحِلُّ بنا النَّوازِلُ مَنْ لَنا ... في رَفْعِها عَنَّا وحَلِّ عُراها
أَمْ مَنْ تُرَضِّيهِ لدَفْعِ كَريهَةِ ... يَوْماً إذا ما عَمَّنا بَلْواها
قَدْ كُنْتَ (مُحيي الدين) حِصْناً مانِعاً ... عَنَّا فَوا أسَفا عليكَ وآها
فَلَقَدْ غَدَوْتَ مُكَرَّماً في صُحْبَةٍ ... كانَتْ نُفوسُهُمُ لَدَيْكَ سَفاها
فالآنَ شُتِّتَ شَمْلُهُم وتَفَرَّقوا ... حَيْرَى سُكارَى ليْسَ مِنْ صَهْباها (٢)
فلَوْ أنَّ نَفْساَ تُفْتَدى لَفَدَتْكَ مِن ... كَأسِ الحِمامِ نُفوسُنا بِدِماها
لكِنَّ كاساتِ المَنونِ دَوائِر ... لَمْ يَعْدُها مَنْ لِلْحُصونِ بَناها
قَدْ أَكْثَرَتْ فيكَ الرُّثاةُ وما أرى ... تُجْدي سِوَى تَذْكَارِهَا وغِناها
(١) الجُدَّاد: صغار الشجر. قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (١/ ٤٠٩): "وهو عندي كذا، على معنى التشبيه بجُدَّاد الخيمة، وهي الخيوط".
(٢) الصهباء: الخمر.
144 · ص148
[٧٤] رَوَّى الإلهُ تُرابَ تُرْبَتِك التي ... بك قد علت شرفاً وطاب شذاها/
وأتَتْكَ مِن رَب العِباد تَحِيةٌ ... حتي المعاد صباحها ومساها
ورثاهُ بعض المحبين رحمه الله (١):
سَلْ رَبْعَ (٢) دارٍ قَدْ خَلَتْ إنْ أخْبَرا ... عن أهلها وبأهلها ما قد جرا
رَحَلوا فَلِمْ لا وَدَّعوا أترى بهم ... يا دار غلس ركبهم أم هجرا
أمْ في دُجُنَّة لَيْلِهِم كَي لا يرا ... هم حاسدٌ ومكاشحٌ بهم سرى
يا دارُ ما صنَعَ الزمان فحَدِّثي ... عنهم بصدق لا حديث مفترى
ففهِمْتُ مِنها حيثُ لَمْ تَنْطِقْ إذا ... نزل القضاء فأيما عين ترى
لا تَسْألني واسألِ الأقْدارَ هَلْ ... منهن يحمي مزدرى أو مدرى
سَلْ أيْنَ (سابورٍ) و (شابورٍ) وَكَمْ ... (كسرى) تخوَّنه الزمان و (قيصرا)
ما أضْعَفَ الإنسانَ بَلْ عَجبٌ لهُ ... يختار أن يبقى وليس مخيرا
ولَقَدْ أتَانا عَنْ فَرِيد زَمانِهِ ... خبرٌ فأرق للجفون أسهرا
جافى الجُنُوبَ عَنِ المَضاجِعِ ذِكْره ... ونفى الرُّقاد عن العيون ونفرا
يا لَيْتَ قَبْلَ سَماعِهِ أسْماعُنا ... صُمَّتْ وأعياننا لذلك لا ترى
يا مخبِراً (٣) عن هُلكِ (مُحْيي الدينِ) ما ... تخشى وتستحي به أن تجهرا
[٧٥] وشَقِيْقَةٍ أفْزَعْتَها لَمَّا أتى النـ ... ـاعي به إذ قمت أمشي القهقرى/
وأعَضُّ مِنْ وَجْدٍ عليهِ أنامِلي ... وأهيم منه تأسُّفاً وتحسُّرا
قالَتْ أوَيْحَكَ ما دهاكَ وما الذي ... لك قد أصاب وما الذي لك قد عرا
فأجَبْتُها ثَكِلَتْكِ أمُّكِ تَسْألي ... عمَّا جرا لي هل قليلٌ ما جرى
هذا دِعامَةُ دِيْنِنا بلْ كَسْره ... إن الرَّزيَّة فيه أم حبوكرى (٤)
(١) انظر: "ترجمة الإمام النووي" (ص ٧٦) للسخاوي.
(٢) (الرَّبع): المكان الذي يُترل فيه، أو الحي.
(٣) في الأصل: "مخُبرٌ"!
(٤) أمُّ حَبَوكَرى: الداهية.