261 · ص105
لِلمَسجِدِ الأَقصَى بَيَّنَ أَبعَادَهُ وَقِياسَاتِهِ، وَقَالَ في وَصفِ قُبَّةِ الصَّخرَةِ: «وَعَلَى الجُملَةِ، لَم أَرَ في الإِسلَامِ، وَلَا سَمِعتُ أَنَّ في الشِّركِ مِثلَ هَذِهِ القُبَّةِ» ١.
وَقَد تَحدَّثَ ابنُ الفَقِيهِ في كِتَابِ (البُلدَانُ) عن الآيَاتِ القُرآنِيةِ التِي فَسَّرهَا مُقَاتِلٌ بِأَنهَا ذَاتُ عِلَاقَةٍ بِالقُدسِ، وَأَورَدَ بَعضَ أَحادِيثَ مَنسُوبَةً إِلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ عِلَاقَةٍ بِالقُدسِ، وَمِنهَا: «سَتُهَاجِرُونَ هِجرَةً إِلَى مُهَاجَرِ إِبرَاهِيمَ» يَعنِي بَيتَ المَقدِسِ، و «وَمَن صَبَرَ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا رَجَاءَ اللهِ يَرزُقُهُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ وَعَن يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَمِن فَوقِهِ وَمِن تَحتِهِ». ثُمَّ وَصَفَ قُبَّةَ الصَّخرَةِ وَالمَسجِدَ، وَتَحدَّثَ عن تَولِيَةِ الوَلِيدِ بنِ عَبدِ المَلكِ أَخاهُ سُلَيمَانَ جُندَ فِلَسطِينَ ٢.
أَمَّا ابنُ قُتَيبَةَ، فَإِنَّهُ رَكّزَ في كِتَابِهِ (عُيونُ الأَخبَارِ) عَلَى أَخبَارِ أَهلِ الكِتَابِ وَقِصَصهِم المُتعَلِّقَةِ بِالقُدسِ. فَمِن ذَلكَ مَا نَقَلَ عن وَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَوحَى اللهُ إِلَى نَبيٍّ مِن أَنبِيَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ أَرمِيَاءُ حِينَ ظَهرَت فِيهُم المَعَاصِي: «أَن قُم بَينَ ظَهرَانَي قَومِكَ، فَأَخبِرهُم أَنَّ لَهُم قُلُوبًا وَلَا يَفقَهُونَ، وَأَعيُنًا وَلَا يُبصِرُونَ، وَآذَانًا وَلَا يَسمَعُونَ، وَأَنِّي تَذَكَّرتُ صَلَاحَ آبَائِهِم فَعَطَّفَنِي ذَلكَ عَلَى أَبنَائِهِم. سَلهُم كَيفَ وَجَدُوا غِبَّ طَاعَتِي، وَهَل سَعِدَ أَحدٌ مِمّن عَصَانِي بِمعصِيَتِي، وَهَل شَقِيَ أَحدٌ مِمَّن أَطَاعَنِي بِطَاعَتِي؟ إِنَّ الدَّوَابَّ تَذكُرُ أَوطَانَهَا فَتَنزِعُ إِلَيهَا، وَإِنَّ هَؤُلاءِ القَومَ تَركُوا الأَمرَ الّذِي أَكرَمتُ عَليهِ آبَاءهُم وَالتَمَسُوا الكَرَامَةَ مِن غَيرِهَا، فَيَا وَيلَ إِيلِيَاءَ وَسُكَّانِهَا!
١ انظر: «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» ط. ليدن ١٩٦٧ (ص: ١٦٥، ١٧١).
٢ انظر: «كتاب البلدان» لأبي بكر بن محمد الهمذاني المعروف بابن الفقيه، ليدن ١٩٦٧، (ص: ٩٣، ٩٤، ٩٥، ١٠١، ١٠٢).
262 · ص106
كَيفَ أُذَلِّلُهُم لِلقَتلِ، وَأُسلِّطُ عَلَيهِم السِّبَاءَ، وَأُعِيدُ بَعدَ لَجَبِ الأَعرَاسِ صُرَاخَ الهَامِ، وَبَعدَ صَهِيلِ الخَيلِ عُوَاءَ الذِّئَابِ، وَبَعدَ شُرُفَاتِ القُصُورِ مَسَاكِنَ السِّبَاعِ، وَلَأُبَدّلَنّ نِسَائهُم بِالطِّيبِ التُّرَابَ، وَلأَجعَلَنّ أَجسَادَهُم زِبلًا لِلأَرضِ، وَعِظَامَهُم ضَاحِيَةً لِلشَّمسِ ... الخ» ١.
وَأَمَّا أَحمَدُ بنُ عَبدِ رَبِّهِ صَاحِبُ العِقدِ الفَرِيدِ فَهُوَ الّذِي أَورَدَ حَدِيثَ الزُّهرِيِّ عن أَنَّهُ سَمِعَ مِن فَلَانٍ ـ دُونَ أَن يُسَمِّيَهُ ـ: «أَنَّهُ لَم يُرفَع تِلكَ اللّيلَةِ الّتِي صَبِيحَتُهَا قُتِلَ عَلِيُّ بنُ أِبي طَالِبٍ والحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ حَجَرٌ في بَيتِ المَقدِسِ إِلَّا وُجِدَ تَحتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ» ٢.
وَيُخَصِّصُ ابنُ عَبدِ رَبِّهِ في كِتَابِهِ المَذكُورِ صَفَحَاتٍ عن صِفَةِ مَسجِدِ بَيتِ المَقدِسِ وَمَا بِهِ مِن آثَارِ الأَنبِيَاءِ، وَفَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ. وَمِمَّا جَاءَ في هَذهِ الصَّفحَاتِ مَقَايِيسُ أَبعَادِ المَسجِدِ، وَعِدَّةُ مَا فِيهِ مِن القَنَادِيلِ وَالخَشبِ وَالعُمُدِ، وَوَصفُ الصَّخرَةِ وَالقُبةِ، وَمَا احتَوَاهُ المَسجِدُ مِن مَصَاحِفَ كَبِيرَةٍ، وَمَا كَان يُخَصَّصُ لَهُ مِن الزَّيتِ وَالحُصرِ وَفَتَائِلِ القَنَادِيلِ وَزُجَاجِهَا.
يَقُولُ ابنُ عَبدِ رَبِّهِ في بَعضٍ مِما أَورَدَهُ عن القُدسِ: «بَيتُ المَقدِسِ مَربَطُ البُرَاقِ الّذِي رَكِبهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - .. وَبَابُ حِطّةٍ، الَّتِي ذَكَرهَا اللهُ تَعَالَى في قَولِهِ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} وَهِيَ قَولُ لَا إِلهَ إِلا اللهُ .. وَبَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وَبَابُ التَّوبَةِ، وَبَابُ الرَّحمَةِ، الّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى في كِتَابِه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} .. وَفِيهَا مِحرَابُ مَريمَ ابنةِ عِمرَانَ .. وَمِحرَابُ
١ «عيون الأخبار» لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ط. القاهرة ١٩٢٥ (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).
٢ انظر: «العقد الفريد» لابن عبد ربه، ط. القاهرة ١٩٤٠، (٥/ ١٤٩).