189 · ص156 · ج8
و"باسط" هنا مثل "لابس" في المثال الماضي، إذ ليس المعنى أنه يحدث البسط، بل على أنه كائن على تلك الهيئة، فتدبَّرْ.
واعلم أن الصفات كلها مثل المضارع في أنها للحال، فعند الإطلاق يكون لحال الكلام. تقول: "زيد حسن الوجه"، فيفهم أنه حال كلامك متصف بحسن الوجه، وقس على ذلك. وإذا كانت خبرًا لـ"كان" كانت حاليتها باعتبار كان، وكذا إذا كانت حالًا نحوية أو في جملة حالية، فحاليتها باعتبار عامل الحال. وكذا في الباقي على نحو ما تقدم في المضارع.
[ص ١٥] (١٠) الحال النحوية من شرطها الاقتران بعاملها في الزمن، أي بأن يكون تلبُّس العامل بصاحبها في وقت مدلولُها فيه حاصل.
قال ابن مالك في الخلاصة:
الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصِبُ ... مُفْهِمُ في حال كفردًا أذهبُ
فإذا جاء ما يظهر منه عدم الاقتران فهو متأوَّل بما يحصل به الاقتران. فقولهم: "جاء زيد راكبًا" المراد بالركوب الهيئة الحاصلة عن أصل الفعل، وهي مستمرّة تقارن المجيء، وليس المراد به إحداث الركوب.
ولهذا إذا أتيت بالفعل الماضي غير المقارن وجب أن تأتي بـ (قد)، فتقول: "جاء زيد قد ركب".والمقارنة حينئذ مأخوذة من معنى (قد) وهو التحقيق، فكأنه قيل: جاء متحققًا أنه ركب، أو في حال تحقق أنه ركب. وهذا معنى قولهم: إنّ (قد) تقرّب الماضي من الحال، فاحفظه. فإن لم تكن (قد) مذكورة وجب تقديرها في المثال المذكور.
فأما إذا كان الفعل مقارنًا بنفسه فلا حاجة لـ (قد)، بل لا يجوز الإتيان بها، وذلك كقولك: "أبصرت زيدًا صلّى الظهر" إذا كانت صلاته الظهر
190 · ص157 · ج8
مقارنة للإبصار. ولو قلت: "أبصرت زيدًا قد صلّى الظهر" لَفُهِم منه أن الإبصار كان بعد الصلاة.
هذا، وإنما يحسن حذف (قد) لنكتة، كما في قوله تعالى في إخوة يوسف: {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} [يوسف: ٦٥]. لم يعلموا بردّها إلا حينئذ، فكأنها إنما رُدَّت حينئذ.
ونحوه في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: ٩٠]، فإن الحصر يتجدد، فيوجد حال المجيء.
[ص ١٦] ويلوح لي أنه عندما يكون الفعل سابقًا، إن قرب العهد به أتي بـ (قد) وحدها، وإلّا أتي بها مع الواو، والقرب والبعد في كل شيء بحسبه. تقول: "جاء زيد قد حجّ" إذا كان مجيئه عقب الحج، فإن تأخر قيل: "وقد حجّ". والله أعلم.
وقولهم: "خرج فلان إلى الحجاز حاجًّا" فيه مجاز بإطلاق كلمة "الحاجّ" على العامد له، ولهذا يقال إذا خرج المسافرون إلى الحج: "خرج الحجاج اليوم"، وحاصل المعنى: خرج ناويًا أن يحجّ، ولهذا يسميها بعضهم "حالًا منويّةً". وقد يطلق عليها في نحو المثال: "مقدّرة"، من قولهم: قدّرت كذا، أي نويته وعقدت عليه، كما في اللسان ١.
وقوله سبحانه: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: ٧٣]، فيه مجاز أيضًا، وذلك أن
١ قدر (٥/ ٧٦)، وأصله في تهذيب اللغة (٩/ ٢٤).