← المكتبة ▭ صفحة واحدة
محاضرة في علم الرجال وأهميته - ضمن «آثار المعلمي»
عبد الرحمن المعلمي اليماني علوم الحديث 1386 هـ
A− A+
3 · ص218 · ج15
إلى تدهور الأخلاق ــ اسما آخر! النفوس الأرضية تربة، من شأنها أن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسْقَ بماء الإيمان الطاهر، وتشرق عليها شمسُ العلم الديني الصحيح، وتهبّ عليها رياح التذكير الحكيم. فأيّ أرضٍ أَمْحَلت من ذلك الماء، وحُجِب عنها شعاع تلك الشمس، وسُدَّتْ عنها طرق تلك الرياح؛ كان نباتها كما قال الملائكة عليهم السلام: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: ٣٠]. للدين ــ وهو الإسلام ــ ينبوعان عظيمان: كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. السنة عبارة عما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأقوال والأفعال وغيرها مما هو تبيينٌ للقرآن، وتفصيل للأحكام، وتعليم للآداب، وغير ذلك من مصالح المعاش والمعاد. أوّل من تلقّى السنّة هم الصحابة الكرام، فحفظوها وفهموها، وعلموا جملتها وتفصيلها، وبلّغوها كما أُمِروا إلى من بعدهم. ثمّ تلقّاها التابعون، وبلّغوها إلى من يليهم وهكذا! فكان الصحابيّ يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كيت وكيت، ويقول التابعي: سمعت فلانًا الصحابي يقول: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول الذي يليه: سمعتُ فلانًا يقول: سمعت فلانًا الصحابي يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا.
4 · ص219 · ج15
كلُّ من علم أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وأنّ شريعتَه خاتمة الشرائع، وأنّ سعادة المعاش والمعاد والحياة الأبدية في اتّباعه= يعلم أنّ النّاس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب. قد وقعت الروايةُ ممّن يجب قبولُ خبرِه، وممّن يجب ردُّه، وممّن يجب التوقف فيه. وهيهات أن يعرف ما هو من الحقّ الذي بلَّغه خاتمُ الأنبياء عن ربّه عز وجل، وما هو من الباطل الذي يُبرَّأ عنه الله ورسوله؛ إلاّ بمعرفة أحوال الرواة. وهكذا الوقائع التاريخية، بل حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشدُّ؛ لغلبة التساهل في نَقْلها. على أنّ معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهمّ فروع التاريخ. وإذ كان لا بدّ من معرفة أحوال الرواة؛ فلا بدّ من بيانها؛ بأن يخبر كلُّ مَن عَرَف حالَ راوٍ بحاله ليعْلَمَه الناسُ. وقد قامت الأمّة بهذا الفرض كما ينبغي. أوّل من تكلّم في أحوال الرجال القرآن، ثمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أصحابه. والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالًا، وذم المنافقين إجمالًا، ووردت آياتٌ في الثناء على أفراد مُعَيَّنين من الصحابة ــ كما يُعلم من كتب الفضائل ــ وآيات في التنبيه على نفاق أفراد مُعَيَّنين، وعلى جرح أفراد آخرين. وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}