← المكتبة ▭ صفحة واحدة
روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
261 · ص234 · جالكتاب
فإنَّ النفس تُضطرُّ إلى العلم تارةً، وإلى العمل أُخرى، وكذلك العملُ الاختياريُّ المراديُّ له مُرادٌ، فذلك المرادُ إمَّا أن يُراد لنفسه، أو لشيءٍ آخر، ولا يجوزُ أن يكون كلُّ مرادٍ مرادًا لغيره؛ حذرًا من الدَّور والتَّسلسل، فلابدَّ من مرادٍ مطلوبٍ محبوبٍ لنفسه، فإذا حصل المطلوبُ المرادُ المحبوب؛ فاقترانُ اللذَّة، والنِّعمة، [٥٩ أ] والفرح، والسُّرور، وقُرَّة العين به على قدر قوَّة محبته، وإرادته ورغبته فيه، وذلك أمرٌ ذَوْقِيٌّ وجديٌّ، ولهذا يغلِب على أهل الإرادة والعمل من السَّالكين اسمُ الذوق والوَجد؛ لما في وجود المراد المطلوب من الذَّوق والوجد الموجب للفرح، والسُّرور، والنَّعيم. فها هنا ثلاثةُ أنواعٍ من الأسماء متقاربة المعاني: أحدُها: الشَّهوةُ، والإرادةُ، والميل، والطلب، والمحبَّة، والرغبةُ، ونحوُها. الثاني: الذَّوقُ، والوَجدُ، والوصولُ، والظَّفَرُ، والإدراكُ، والحصولُ، والنَّيْلُ، ونحوُها. الثالث: اللذَّةُ، والفرَح، والنعيم، والسرور، وطيب النفس، وقرّة العين، ونحوُها. وهذه الأمور الثلاثة متلازمةٌ.
262 · ص235 · جالكتاب
فصل وإذا كانت اللذَّةُ مطلوبةً لنفسها فهي إنَّما تُذَمُّ؛ إذا أعقبتْ ألمًا أعظمَ منها، أو منعت لذَّةً خيرًا منها، وتُحْمَدُ؛ إذا أعانت على اللذَّة الدائمة المستقرة، وهي لذةُ الدار الآخرة ونعيمها؛ الذي هو أفضلُ نعيم وأجلُّه، كما قال الله تعالى: {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يوسف/ ٥٦ ــ ٥٧]، وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل/ ٣٠]، وقال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى/ ١٦ ــ ١٧]. وقال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت/ ٦٤] وقال العارفون بتفاوتِ مابين الأمرين لفرعون: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه/ ٧٢ ــ ٧٣]. والله سبحانه إنما خلق الخلق لدار القرار، وجعل اللذة كلَّها بأسرها فيها، كما قال الله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف/ ٧١]، وقال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة/ ١٧]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: أَعْدَدْتُ لعِبَادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا