← المكتبة ▭ صفحة واحدة
روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
403 · ص376 · جالكتاب
فإن أعوزه حديثُه بنفسه؛ فأحبُّ شيء إليه الحديث عنه، ولاسيَّما إذا حدَّث عنه بكلامه، فإنَّه يقوم مقام خطابه، كما قال القائل: المحبُّون لا شيء ألذُّ [١٠٠ ب] لقلوبهم من سماع كلام محبوبهم، وفيه غاية مطلوبهم، ولهذا لم يكن شيءٌ ألذّ لأهل المحبَّة من سماع القرآن، وقد ثبت في الصحيح ١ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأْ عليَّ» قلت: أقرأُ عليك، وعليك أُنزل؟ قال: «إنِّي أُحِبُّ أنْ أسمعهُ من غيري» فقرأْت عليه من أوَّل سورة النِّساء حتى إذا بلغت قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء/٤١] قال: «حسبك» فرفعت رأْسي فإذا عيناه تذْرِفان! وكان أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا؛ أمروا قارئًا يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى؛ يقول: يا أبا موسى! ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأُ أبو موسى، وربما بكى عمر. ومرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي موسى وهو يُصلِّي من الليل، فأعجبته قراءتُه، فوقف، واستمع لها، فلما غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقد مررتُ بك البارحة؛ وأنت تقرأُ، فوقفت، واستمعتُ لقراءتك» فقال: لو أعلمُ أنَّك كنت تسمعُ؛ لحبَّرته لك تحبيرًا ٢.
١ أخرجه البخاري (٤٥٨٢، ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٦)، ومسلم (٨٠٠). ٢ أخرجه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣) دون الجزء الأخير.
404 · ص377 · جالكتاب
والله سبحانه وهو الذي تكلم بالقرآن يأذن، ويستمعُ للقارئ الحسن الصَّوت منْ محبَّته لسماع كلامه منه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لله أشدُّ أذنًا إلى القارئ الحسن الصَّوتِ من صاحب القيْنَةِ إلى قيْنَتِهِ» ١. والأذَنُ ــ بفتح الهمزة والذَّال ــ مصدر أذِن يأْذنُ: إذا استمع، قال الشاعر ٢: أيُّها القلبُ تعلَّل بددنْ ... إن قلبي في سماعٍ وأذنْ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «زيِّنوا القُرآن بأصواتكم» ٣. وغلِط من قال: إنَّ هذا من المقلوب، والمرادُ: زينوا أصواتكم بالقرآن، فهذا وإن كان حقًّا؛ فالمراد: تحسينُ الصَّوتِ بالقرآن. وصحَّ عنه أنه قال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقُرآن» ٤، ووهِمَ من فسَّره بالغنى الذي هو ضدُّ الفقر من وجوهٍ: أحدُها: أنَّ ذلك المعنى إنما يقال فيه: استغنى، [١٠١ أ] لا تغنَّى.
١ أخرجه أحمد (٦/ ١٩، ٤٢٠)، وابن ماجه (١٣٤٠)، وابن حبان (٦٥٩ - موارد)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧١) من حديث فضالة بن عبيد. وحسنه البوصيري وصححه الحاكم. ٢ البيت لعدي بن زيد في ديوانه (ص ١٧٢)، ورسالة الغفران (ص ٢٠٣). ٣ أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (٢/ ١٧٩، ١٨٠) من حديث البراء بن عازب. وإسناده جيد. ٤ أخرجه البخاري (٧٥٢٧)، ومسلم (٧٩٢) من حديث أبي هريرة.