3003 · ص516 · ج1
ذكرت محبة الله، فاذكر محبة المخلوقين. فتأوّه ذو النون تأوّها شديدا وشقّ قميصه نصفين، وقال: آه .. علقت رهونهم؛ واستعبرت عيونهم؛ وخالفوا السّهاد؛ وفارقوا الرقاد؛ فليلهم طويل؛ ونومهم قليل؛ أحزانهم لا تتغير؛ وهمومهم لا تفقد؛ باكية عيونهم؛ قريحة جفونهم.
وقال يحيى بن معاذ: (لو كانت العقوبة بيدي يوم القيامة لما عذّبت العشّاق؛ لأنّ ذنوبهم اضطرار لا اختيار).وقال بعضهم: {(رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)} يعني شماتة الأعداء؛ قال الشاعر:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسّاد
إنّ المصائب تنقضي أيّامها ... وشماتة الحسّاد بالمرصاد
وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله العظيم منهما، يقال: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال.
قوله عزّ وجلّ: {وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا؛} أي تجاوز عن تقصيرنا وذنوبنا ولا تفضحنا {(وَارْحَمْنا)}؛فإنّنا لا ننال العمل بطاعتك إلا بمعونتك، ولا نترك المعصية إلا برحمتك. وقيل: معنى: {(وَاعْفُ عَنّا)} أي اترك عنّا العقوبة، ومعنى العفو: الترك. وقوله تعالى: {(وَاغْفِرْ لَنا)} أي استر لنا ذنوبنا وعيوبنا، {(وَارْحَمْنا)} أي أنعم علينا بالجنة والثواب، وقيل: معنى الآية: {(وَاعْفُ عَنّا)} من المسخ {(وَاغْفِرْ لَنا)} من الخسف {(وَارْحَمْنا)} من الغرق؛ أي لا تفعل بنا ما فعلت ببعض من تقدّمنا من الأمم. وقيل: معناه: {(وَاعْفُ عَنّا)} الصغائر {(وَاغْفِرْ لَنا)} الكبائر {(وَارْحَمْنا)} بتثقيل الميزان. وقيل: معناه: {(وَاعْفُ عَنّا)} في سكرات الموت {(وَاغْفِرْ لَنا)} في ظلمة القبور {(وَارْحَمْنا)} في أهوال القيامة.
قوله تعالى: {أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ} (٢٨٦)؛ أنت وليّنا وناصرنا ومتولّي أمورنا، {(فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)} أي أعنّا عليهم في إقامة الحجة وإظهار الدين كما وعدتنا.
روي عن عبد الله بن عباس: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم [لمّا قرأ {غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} قال: قد غفرت لكم، فلمّا قرأ: {رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا} قال:
3004 · ص516 · ج4
[لئن ملئ جوف أحدكم صديدا حتّى يصير جاريا أحبّ إليّ أن يمتلئ شعرا] ١ وأراد به الشّعر المذموم.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ} (٢٢٥)؛أي في كلّ فنّ من الكذب يتكلّمون، وفي كلّ لغو يخوضون، يمدحون بباطل ويستمعون لباطل، فالوادي مثل لفنون الكلام، وهيمانهم فيه: قولهم على الجميل بما يقولون من لغو وباطل وغلوّ في مدح أو ذمّ.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ} (٢٢٦)؛أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة، ويصفون أنفسهم بما ليس فيها.
قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛} استثناء الشّعراء المسلمين حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك الذين مدحوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان يقول لحسّان: [أهجهم ومعك روح القدس] ٢.قوله تعالى:
{وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا؛} يعني أنّهم كانوا يذكرون الله كثيرا في أشعارهم، ويناضلون عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بألسنتهم وأيديهم من بعد هجائهم الكفار. والانتصار بالشّعر جائز في الشّريعة بما يجوز ذكره فيها، لما قال تعالى في آية أخرى {لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ} ٣.
ويروى: أنّ كعب بن مالك قال: يا رسول الله؛ ما تقول في الشّعر، فقال: [إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والّذي نفسي بيده؛ لكأنّما ينضحونهم بالنّبل] ٤.وقال صلّى الله عليه وسلّم: [إنّ من الشّعر لحكمة] ٥.
١ أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب الشعر: الحديث (٢٢٥٩/ ٩).
٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٦ ص ٧٢.والترمذي في الجامع: أبواب الآداب: الحديث (٢٨٤٦).وأبو داود في السنن: كتاب الآداب: الحديث (٥٠١٥).
٣ النساء ١٤٨/.
٤ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٨ ص ١٢٣ بلفظ قريب، وقال: (رواه أحمد بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح).
٥ رواه البخاري في الصحيح: كتاب الآداب: الحديث (٦١٤٥).