53 · ص13 · ج5
في الحرب الموكّل بالصّفوف يزع من تقدّم منهم) ١.
ومعنى الآية: {(فَهُمْ يُوزَعُونَ)} أي كان يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا، وكانوا يجتمعون ويتفرّقون ويقومون في مسيرهم على مراتبهم. والإيزاع هو المنع من الذهاب، والوازع هو القيّم بأمر الجيش، ومن ذلك قول الحسن: (لا بدّ للنّاس من وزعة) ٢ أي من سلطان يكفّهم، ويقال: لا بدّ للسّلطان من وزعة؛ أي من يمنع الناس عنه. وأصل الوزع الكفّ والمنع، ومنه الحديث: [إنّ الله ليزع بالسّلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن] ٣.
قوله تعالى: {حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ؛} أي ساروا جميعا حتّى إذا وصلوا إلى واد كثير النّمل، قال كعب: (هو واد بالطّائف)،وقال قتادة ومقاتل: (هو بالشّام) ٤، {قالَتْ نَمْلَةٌ؛} لأصحابها على وجه التّحذير: {يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ؛} أي منازلكم، {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؛} أي لا يكسرنّكم سليمان وجنوده، {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} (١٨)؛بذلك؛ أي وهم لا يعلمون بحطمكم ووطئكم، فطارت الريح بكلام النّملة، فأدخلته في أذن سليمان عليه السّلام ليسمعها،
{فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها؛} وكان أكثر ضحك الأنبياء عليهم السّلام التّبسّم.
ونصب قوله تعالى: {(ضاحِكاً)} على الحال، وسبب ضحكه من قولها التعجّب، وذلك أنّ الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به عجب وضحك. قال مقاتل: (ثمّ حمد ربّه حين علّمه منطق الطّير، وسمع كلام النّملة) ٥ {وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ}
١ نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٣ ص ١٦٧ معلقا.
٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: ص ١٤١٦.
٣ ذكره ابن العربي في أحكام القرآن: ج ٣ ص ١٤٥٠؛ قال: (روى أشهب قال: قال مالك بن أنس: قال عثمان: (ما يزع الناس السلطان، أكثر مما يزعهم القرآن).والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٣ ص ١٦٨.
٤ أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: الأثر (١٦١٩٨).
٥ قاله مقاتل في التفسير: ج ٢ ص ٤٧٢.