595 · ص105 · ج6
قرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وعاصم والكسائيّ وابن عامر: (وأدبار) بفتح الألف جمع الدّبر. وقرأ الباقون بالكسر على المصدر من أدبر يدبر إدبارا.
قوله تعالى: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} (٤١)؛أي استمع يا محمّد صيحة القيامة والبعث والنّشر، ويوم النداء هو يوم صيحة إسرافيل، وهو يوم النّفخة الأخيرة، يقوم فيه على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصّور، والصّخرة أقرب مكان من الأرض إلى السّماء باثني عشر ميلا كذا قال الكلبيّ.
وفي الحديث: [أنّه ينادي: أيّتها العظام البالية، والعروق المتمزّقة، والشّعور المتفرّقة، أخرجن لفصل القضاء فيكنّ، فيخرجون على وجه الأرض] ١.
وقوله تعالى: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ؛} أي بالبعث، وقيل: إنّها كائنة بالحقّ، {ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} (٤٢)؛أي من القبور إلى المحشر.
قوله تعالى: {إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ؛} أي نحيي الأموات ونميت الأحياء، {وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} (٤٣)؛في الآخرة للجزاء.
وقوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً؛} أي تتصدّع عنهم مسرعين، والمعنى يوم تشقّق الأرض عنهم خارجين سراعا يسرعون إلى الدّاعي، {ذلِكَ؛} الحشر، {حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ} (٤٤)؛أي هيّن وسهل.
قوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ؛} يا محمّد من تكذيبك من أمر البعث وغير ذلك، يعني كفّار مكّة، {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ؛} أي بمسلّط قهّار تجبرهم على الإسلام، إنما بعثت مذكّرا محذّرا، وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، قوله تعالى:
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ؛} أي عظ به، {مَنْ يَخافُ وَعِيدِ} (٤٥)؛وإنما خصّ الخائفين بالوعظ؛ لأنّهم هم الذين ينتفعون بذلك، والمعنى: ذكّر بالقرآن من يخاف ما وعدت من عصاني من العذاب.
آخر تفسير سورة (ق) والحمد لله رب العالمين
١ أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٧٩٠) موقوفا عن كعب. وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٦١١؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن عساكر والواسطي في فضائل بيت المقدس).
596 · ص106 · ج2
رسول الله إن نحن وفّينا؟ قال: [لكم الجنّة].قالوا: أبسط يدك؛ فبسط يده، فبايعوه.
فأوّل من ضرب على يده: البراء بن معرور؛ ثمّ بايع القوم واحدا واحدا، قال:
فلمّا بايعنا صرخ الشّيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته أحياء كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: [هذا عدوّ الله شيطان العقبة] ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: [أمضوا إلى رحالكم].
فقال العبّاس بن عبادة: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ لئن شئت لنميلنّ غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: [لم اؤمر بذلك، ارجعوا إلى رحالكم].
قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فبتنا، فلمّا أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، فقالوا لنا: يا معشر الخزرج؛ بلغنا أنّكم جئتم صاحبنا هذا لتستخرجوا ابن أخينا من بين أظهرنا وبايعتموه على حربنا، وإنّه والله ما حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان هذا شيء وما علمنا، وصدقوا لأنّهم لم يعلموا على بيعتنا، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض.
ثمّ انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدّوا العقد، فلمّا قدموا أظهروا الإسلام بها، وبلغ ذلك قريشا، فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: [إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ومنزلا ودارا تأمنون فيها] ١.فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللّحوق بإخوانهم من الأنصار، فأوّل من هاجر إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ؛ ثمّ عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة؛ ثمّ عبد الله بن جحش، ثمّ تتابع ٢ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة ينظر أن يؤذن له في الهجرة إلى أن أذن له.
فقدم المدينة؛ فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم برسوله، ورفع عنهم العداوة القديمة، وألّف بينهم).وذلك قوله عزّ وجلّ:
١ السيرة النبوية لابن هشام: ج ٢ ص ١١١.
٢ في المخطوط: (تبايع).