261 · ص135 · ج1
وصار له في كل ساعة من نهاره وقت وقد عمر يومه كله بالذكر، ولمثل هذا قيل: نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح وقد قرن اللَّه عزَّ وجلّ الاستماع إلى الباطل والقول بالإثم إلى أكل الحرام ولولا أن في المسموعات والمقولات حراماً على المستمع والإصغاء إليه وحراماً على القائل النطق به ما قرنهما إملي أكل الحرام وهو من الكبائر، فقال تعالى: سماعون للكذب أكّالون للسحت، وقال سبحانه وتعالى: (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانُّيون وَالأَحْبَارُ عَنْ قَولِهِمُ الإثَمْ وَأَكلِهِمُ السُّحْتَ) المائدة: ٣٦، فالعبد الحافظ لحدود اللَّه عزّ وجلّ إن أفطر بالأكل والجماع فهو صائم عند اللَّه في الفضل للأتباع ومن صام عن الأكل والجماع وتعدى الحدود وأضاع فهو مفطر عند اللَّه عزّ وجلّ صائم عند نفسه، لأن ما أضاع أحب إلى اللَّه عزّ وجلّ وأكثر ممَّا حفظ، ومثل من صام من الأكل وأفطر بمخالفة الأمر بسائر الجوارح مثل من مسح كل عضو من أعضائه في وضوئه ثلاثاً ثلاثاً ثم صلَّى فقد وافق الفضل في العدد إلا أنه تارك للفرض من الغسل فصلاته مردودة عليه لجهله وهو مغتر بفعله ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو من أعضائه في وضوئه مرة مرة فهو تارك للفضل في العدد إلا أنه مكمل للفرض محسن في العمل فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل ولعمله بالعلم، ومثل من صام من الأكل والجماع وحفظ جوارحه عن الآثام كمثل من غسل كل عضو ثلاثاً ثلاثاً فقد تمم الفرض وأحسن بتكملة الفضل فهذا كما قال تعالى تماماً على الذي أحسن، وكما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوضوء، كذلك هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم عليه السلام وقد قال اللَّه تعالى: (مِلَّةَ أَبيكُمْ إبْراهيمَ) الحج: ٨٧ أي عليكم بها فائتموا واقتدوا به فيها، وقد روينا عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وجاء في الخبر أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأجهدهما الجوع والعطش في آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحاً وقال: قل لهما قيئا فيه ما أكلتما قال:
فقاءت إحداهما نصفه دماً عبيطاً ولحماً عريضاً وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه، فعجب الناس من ذلك فَقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هاتان صامتا عما أحل اللَّه عزَّ وجلَّ لهما وأفطرتا على ما حرم اللَّه عزّ وجلَّ عليهما قعدت إحداهما الى الأخرى فجعلا يغتابان الناس فهذا ما أكلا من لحومهم، وكان أبو الدرداء يقول: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين وكل محظور عليك أن تتفوّه به فمحظور عليك أن تستمع إليه وكل حرام عليك أن تفعله
262 · ص135 · ج2
صاحبه فيكون عنه راوياً، فأما التحلي وهو اللبس الظاهر والتصنع المفتعل بالإشارة الفارعة، فهو من حلية الدنيا وزينة الهوى، وكذلك التمني، وهو ما يظنه العقل أو توهمته النفس وقدره الوهم، أو من وسوسة العدو الخناس لعنه الله تعالي، فليس هذا كله من الإيمان ولا من علم اليقين في شيء، بل هو من همزات الشياطين وخطراتهم وقرب محضرهم، لأن هذا داء القلوب من أدواء الذنوب، وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من تطبب ولم يعلم الطب فقتل، هو ضامن، فالمتكلم للناس بقتلهم يكون قاتلاً، والإظهار الذي يقع به الإغترار أكثر من أن يحصى، والظهور الذي يحق به الحقيقة أعز من أن يرى، والله تعالى يظهر من خزائن ملكه ما شاء على الألسنه والجوارح فهي من خزائن الأرض، فيها من التدبير والحكمة كما في ملك الأرض، وعلوم هذه الخزائن هي العلوم الظاهرة وهي حجج اللهّ تعالى في أرضه على عباده، ويظهر من خزائن ملكوته مايحب، وهي القلوب والبصائر والكنوز والذخائر، فهذه كخزائن الملكوت وهي من خزائن السماء وفيها من القدر والآيات كما في السموات وعلوم هذه الخزائن من علم اليقين، وهو العلم الباطن النافع يخص به من يحب، وهم أولياؤه المقربون إنّ الحكم إلا لله، ولا يشرك في حكمه أحداً يختص برحمته من يشاء، ولا
حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا آخر شرح مقام المحبة وهو آخر شرح مقامات اليقين التسعة.