1011 · ص512 · ج2
أنذرهم سرا فلم يطيعوا، وأنذرهم جهارا فلم يرجعوا، فجمع بين الأمرين بقوله: {أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً} ومعنى "ثم" تنبيه على تباعد الأحوال؛ كقوله: {ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ١ وفيه ترق؛ لأن الإنذار خفية أخف، والإنذار جهرا أقوى، والجمع بين الأمرين أتم.
و {جِهاراً} منصوب ب {دَعَوْتُهُمْ} نصب المصدر؛ لأن الجهر أحد أنواع الدعاء؛ كقولهم قعد القرفصاء. وقيل: أراد ب {دَعَوْتُهُمْ جِهاراً} جاهرتهم جهارا، ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا، أي: دعوتهم دعاء مجاهرا به، أو مصدرا في موضع الحال؛ أي: مجاهرا.
أمرهم بالاستغفار يريد: التوبة عن الكفر والمعاصي، ورغبهم في الاستغفار والتوبة؛ فوعدهم بخير الدنيا وهو المطر والخصب وكثرة الأولاد كما قال: {وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} ٢، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} الآية ٣، {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ} الآية ٤ {وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ} ٥.
وقيل: لما كذبوه بعد طول المدة أمسك الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة وروي سبعين، فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه.
وروي: أن عمر خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار؛ فقيل له: إنك لم تستسق؛ فقال:
لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث، ثم قرأ {اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً} الآيات ٦. شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة.
١ سورة البلد، الآية (١٧).
٢ سورة الصف، الآية (١٣).
٣ سورة الأعراف، الآية (٩٦).
٤ سورة المائدة، الآية (٦٦).
٥ سورة الجن، الآية (١٦).
٦ رواه الطبري في تفسيره (٢٩/ ٩٣) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٤٢) لابن سعد في الطبقات وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في سننه. والمجاديح: واحدها: مجدح، وهو نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تمطر به كقولهم الأنواء وهو المجدح أيضا. وقيل: هو الدبران؛ لأنه يطلع آخرا ويسمى حادي النجوم. ينظر: لسان العرب (جدح).