160 · ص87 · ج1
نزل إبراهيم بهاجر وإسماعيل بين جبال مكة، وليس هناك بنيان، فسأل الله أن يجعل ذلك المكان بلدا، ثم جاء لزيارة ابنه فرآها قد صارت بلدا فسأل الله - تعالى - أن يجعل ذلك البلد آمنا، وسأل إبراهيم الرزق لمن آمن منهم بالله، فقال - تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} يعني: إني لا أقطع الرزق عن الكافر بسبب كفره، بل أرزق المؤمن، والكافر أمتعه قليلا.
قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} رفع البنيان سافا فوق ساف ١ وإذا رفع البنيان بالأساس فارتفع فقد رفعت القواعد. وقيل: يقال: قعد البناء ثبت بالقواعد وهي الأساس والأصل لما فوقه. وقيل: يرفع إبراهيم ما سقط من جدران البيت.
أي: قائلين: {رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا} وهذا الفعل في محل النصب على الحال.
وقوله: {رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا} إلى آخره، جمل ثلاث بعد القول [حال أي: يرفعانها قائلين] هذا القول. وقوله عليه السّلام: «أنا دعوة إبراهيم» ٢ حين قال: {رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} {سَفِهَ نَفْسَهُ}. أهانها وبخسها؛ كما تقول: سفهت نفس زيد، فحول وصار «سفه زيد نفسا» (١١ /أ) كقولك: تصبب عرق زيد، وتصبب زيد عرقا، ثم اتصل الضمير بالنفس، فصار: سفه نفسه.
{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ} تقديره: وإنه صالح في الآخرة من الصالحين، ولا يجوز أن تعمل الصالحين في قوله: {فِي الْآخِرَةِ}؛ لأن اللام في الصالحين موصولة، ومعمول الصلة لا يجوز أن يتقدم على الموصول. كذلك قوله: {وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ} [يوسف: ٢٠].
وأجاز ابن السراج ٣ أن يعمل فيما تقدم من المجرور وغيره، وجعل الألف واللام غير
١ الساف في البناء: كل صف من اللبن يقال: ساف من البناء سافان وثلاثة آسف. وقيل: كل سطر من اللبن والطين في الجدار ساف ومدماك. ينظر: لسان العرب (سوف).
٢ رواه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ٨٣ - ٨٤) قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (١٥٤٥).
٣ هو محمد بن السري أبو بكر بن السراج النحوي، أحد العلماء المشهورين باللغة والنحو والأدب، أخذ عن المبرد، وأخذ عنه أبو القاسم الزجاجي والسيرافي والفارسي، وله مصنفات منها: الأصول وغيره -