← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تفسير القرآن العظيم - السخاوي
علم الدين السخاوي التفسير 643 هـ
A− A+
261 · ص137 · ج2
{وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)} {إِنَّ فِي ذلِكَ} إن في النظر في آيات (٢٠٠ /ب) السماوات والأرض. {لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} وهو الراجع إلى ربه سبحانه وتعالى المطيع له. قوله: {يا جِبالُ} إما أن يكون بدلا من {فَضْلاً} وإما من {آتَيْنا} وقوله: {يا جِبالُ} [بتقدير: قولنا يا جبال. أو: قلنا: يا جبال. وقرئ: (أوبي) وأوبي من التأويب، والأوب أي: رجعي معه التسبيح أو ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه] ١ ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يخلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة. فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: {وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً} تسبيح الجبال؟ قلت: الفرق بينهما أن الذي في الآية دال على عظمة الله وكبريائه؛ حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين ينادون ويخاطبون. {وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ} جعلناه ليّنا كالطين والعجين يصرفه بيده كيف يشاء. وقيل: إن داود عليه السلام كان قويّا، فكان الحديد في يده كالعجين في يد غيره {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} أي: لا تجعل الحلق ضيقة فتفصم، ولا واسعة فتفلق، والسرد: نسج الدروع {وَاعْمَلُوا} الضمير لداود ولأهله. {وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ} منصوب ب‍ {سَخَّرْنَا} المضمر؛ فمن قرأ "الرياح" بالرفع أو "الريح" فهو مبتدأ خبره {وَلِسُلَيْمانَ} ومن نصب فهو مفعول ب‍ "سخرنا" ٢. {غُدُوُّها شَهْرٌ} جريها بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي مثل ذلك. {عَيْنَ الْقِطْرِ} النحاس وكان قد أذيب له ينبع من تحت الأرض كما ينبع الماء. {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بتسخيره. {وَمَنْ يَزِغْ} يمل عن أمرنا له بطاعة سليمان. {عَذابِ السَّعِيرِ} هو عذاب الآخرة. وقيل: كان معه
١ الكشاف (١/ ١٠١٦). ٢ قرأ جمهور القراء "الريح" بالنصب، وقرأ شعبة عن عاصم "الريح" بالرفع، وقرأ أبو جعفر "الرياح" بالنصب. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٦٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٨٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٣٤)، السبعة في القراءات لابن مجاهد (ص: ٥٢٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٩).
262 · ص138 · ج1
{الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ} ١. {فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩)} قرئ شاذا {فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ} {وَأَنْبَتَها} {وَكَفَّلَها زَكَرِيّا} بالنصب ٢، وعلى صيغة الدعاء في الأفعال الثلاثة. فحملتها حنة عند وضعها، وكان أبوها عمران صاحب قربانهم، فتنافس فيها أحبارهم أيهم يكفلها فتقارعوا، وكانوا يكتبون التوراة، وهم على شاطئ نهر، فألقوا أقلامهم، وقلم زكريا معهم، فثبت قلم زكريا، وسارت أقلامهم مع الماء وهو معنى قوله: {وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}. وقولها: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ} إشارة إلى أنه مما لا يكتسب بفعل الآدميين، وإلا فالأرزاق كلها من عند الله، ونظيره: {وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً} أي: ليس ذلك العلم مما يكتسب بالمباحث ولا بالدراسة. {هُنالِكَ} أصلها أن تكون للمكان، وتستعار للزمان، وهما في هذا الوضع محتملان، وكذا قوله: {هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ}. {أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ} مذهب البصريين: أن النداء لا يغني فيه القول، بل لابد من صريح القول، فالتقدير: فنادته الملائكة قائلين. وقال الكوفيون: لا يحتاج إلى إضمار القول؛ لقيام النداء بمعناه، ومثله قول الشاعر [من الرجز]: رجلان من ضبّة أخبرانا ... إنا لقينا رجلا عريانا ٣
١ رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٥٤٨)، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٦٦). ٢ قرأ بها مجاهد، تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٧٦)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٣٣٥)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٨٧). ٣ ينظر الرجز بلا نسبة في: خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ١٨٣)، الخصائص لابن جني (٢/ ٣٨٨)، شرح شواهد المغني (٢/ ٨٣٣)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٩١)، المحتسب لابن جني (٢٥٠، ١/ ١٠٩)، مغني اللبيب لابن هشام (٢/ ٥٩).