403 · ص208 · ج2
{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} وأراد بالجنة الملائكة، والملائكة يسمون جنا؛ لاستتارهم عن العيون، وإنما جاء هاهنا بلفظ الجن؛ لأنه أنقص أسمائهم رتبة، والمراد في هذا المقام تنقيص قدرهم من أن يبلغوا رتبة ما ادعته قريش من نسبتهم إلى الولادة وأن يخطر ذلك ببال. {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ} يعني الشياطين منهم {فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} استثناء منقطع من المحضرين، والمعنى: لكن المخلصون ناجون ويجوز أن يقع الاستثناء من الضمير في قوله: {يَصِفُونَ} أي: سبحان الله عما وصفه الملحدون به؛ لكن ما وصفه به عباد الله المخلصون فإنه حق.
الضمير في قوله: {عَلَيْهِ} لله - تعالى - والتقدير: فإنكم ومعبوديكم {ما أَنْتُمْ} جميعا {بِفاتِنِينَ} على الله، إلا أصحاب النار {إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ} مثلكم، أو هو كما قال الشاعر [من الوافر]:
فإنّك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم ١
وقرئ {صالِ الْجَحِيمِ} ٢ وفيه وجهان: أن يكون مرفوعا وسقطت الواو؛ لالتقاء الساكنين، وأن يكون أصله صايل، فقلبت إلى صال؛ كقولهم: شاك السلاح، أي:
شايك.
{وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)}
١ البيت للوليد بن عقبة بن أبي عقبة قاله ضمن أبيات يحرض فيها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على قتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ينظر في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٦/ ٦١٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٦٥)، لسان العرب (حلم) قال ابن منظور: "والحلم بالتحريك: أن يفسد الإهاب، ويقع فيه دود فيثقب، تقول منه: حلم بالكسر. والحلمة: دودة تكون بين جلد الشاة الأعلى وجلدها الأسفل. وقيل: الحلمة دودة تقع في الجلد فتأكله فإذا دبغ وهى موضع الأكل فبقي رقيقا" وقال في معنى البيت: "يقول له: أنت تسعى في إصلاح أمر قد تم فساده كهذه المرأة التي تدبغ الأديم الحلم الذي وقعت فيه الحلمة فنقبته وأفسدته فلا ينتفع به".
٢ قرأ جمهور القراء "صال" وصلا ووقفا، وقرأ يعقوب وقفا "صالي"، وقرأ الحسن وابن أبي عبلة "صال" بالضم. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٧٩)، تفسير القرطبي (١٥/ ١٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥١٦)، فتح القدير (٤/ ٤١٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٢٨)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٤).
404 · ص209 · ج1
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣)}
{وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} يجوز أن يكون متعديا و (كثيرا) مفعول به، أي: وبمنعهم كثيرا عن الإيمان، وأن يكون صد لازما، ويكون كثيرا نعتا لمصدر محذوف، والتقدير:
وبصدهم صدودا كثيرا حرمت عليهم محرمات كثيرة؛ لظلمهم وكذبهم، وقد بين ذلك في قوله: {ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ} (١٤٦) [الأنعام] أي: وهم الكاذبون في دعواهم:
أن هذا التحريم كان شرعا مستأنفا، ولم يكن عقوبة.
وقوله: {بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} إن كانت شريعة من قبلنا شرعا لنا، فيجب الإيمان بكل جزء منها، إلا ما نسخ؛ كالسبت وأكل لحوم الإبل، وإن قلنا: إنه ليس شرعا لنا، فيجب الإيمان بأنها نزلت من عند الله، ولا يجب الإيمان بما فيها من الشرائع.
وقوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ} من باب عطف الصفات بالواو، وانقطاع بعضها بالنصب بإضمار أعني أو بالرفع بإضمار هو؛ كقول الشاعر [من الكامل]:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك ... والطيبون معاقد الأزر ١
فعطف بالواو واقتطع. قوله: {كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} التشبيه وقع في أصل
= عيسى وحذف من بعد إلا لدلالة الكلام عليه فاستغني بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدم من أمثاله التي قد أتينا على البيان عنها.
١ البيتان للخرنق بنت بدر بن هفّان، ينظران في: الأشباه والنظائر للسيوطي (٦/ ٢٣١)، الإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٤٦٨)، أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١٤)، خزانة الأدب للبغدادي (٥/ ٤١، ٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٤٦٢)، ديوان الخرنق (ص: ٤٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٠٢)، لسان العرب (نضر)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٢٥) والآفة: العلة والمرض. والجزر: جمع جزور وهي الناقة. والمعترك: موضع الزحام في القتال. والمعاقد: موضع عقد الإزار وثنيه. والأزر: جمع إزار، وهو ما يستر نصف البدن من أسفل.